تحول الإعلام من الورق إلى المنصات الرقمية: هل تتكرر الأخطاء المؤسسية ذاتها؟

في عالم الإعلام، تدور معركة غير معلنة في غرف مجالس الإدارة، لكنها تحدد ملامح مستقبل المؤسسات. ليست هذه المواجهة بين الربح والخسارة فحسب، بل بين من ينظر إلى المشروع من زاوية التقرير المالي ومن يراه إرثاً يبنى عبر الزمن. كلا الطرفين يؤدي دوراً مهماً، لكن الخلل يبدأ حين يصبح أحدهما الصوت الوحيد المسموع على طاولة القرار.
الربحية والهوية: ثنائية لا بد من موازنتها
الربحية تمثل ضرورة حتمية، فلا يمكن لأي مؤسسة أن تستمر دون نموذج أعمال قابل للاستدامة. لكن الإعلام ليس كباقي الصناعات؛ فهو لا يقتصر على بيع منتج، بل يعمل على بناء ذاكرة جماعية، وتشكيل وعي، وتأسيس هوية، وصناعة قوة ناعمة للدولة. لذلك، لا تقاس قيمة بعض المشاريع بما تحققه في نهاية كل ربع مالي، بل بما تتركه في الذاكرة الوطنية بعد عقدين من الزمن.
المنصات الجديدة: هل نكرر الأخطاء القديمة؟
قد يعتقد البعض أن أزمة الصحف انتهت مع تراجع عصر الورق، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نتعامل مع المنصات الإعلامية الجديدة بنفس العقلية القديمة؟ وهل نكرر الأخطاء المؤسسية ذاتها، ولكن داخل أدوات أكثر حداثة؟
الأخطر من خسارة مشروع إعلامي رائد ليس توقفه بحد ذاته، بل خسارة المنظومة التي أنتجته. فالمشروعات الكبرى لا تقوم على العلامة التجارية وحدها، وإنما على تراكم الخبرات، وتكوين فرق محلية، وبناء ذاكرة إعلامية سعودية تتشكل عاماً بعد عام. هذه الذاكرة ليست مجرد أرشيف، بل هي رأس مال معرفي يتكون من فهم المجتمع، وإدراك تحولات المشهد، والقدرة على إنتاج رواية اتصالية تنبثق من عمق الثقافة السعودية، وليس من قوالب جاهزة قابلة للاستنساخ.
هجرة الكفاءات: خسارة المدرسة لا المشروع فقط
عندما تتسرب هذه الكفاءات، لا تخسر المؤسسة مشروعاً واحداً، بل تخسر مدرسة في صناعة المحتوى، وتفقد بيئة كانت قادرة على إنتاج أجيال جديدة تحمل الهوية نفسها وتطورها. بعد ذلك، تبدأ دورة جديدة من إعادة الهيكلة، وإعادة تعريف مؤشرات النجاح، وإطلاق استراتيجيات جديدة، بينما يبقى السؤال الحقيقي: كيف يمكن استعادة الذاكرة التي غادرت مع صناعها؟
المشكلة ليست في الشركة المستثمرة، ولا في الرئيس التنفيذي، ولا في المدير المالي. المشكلة تظهر حين تتحول مؤشرات الأداء إلى البوصلة الوحيدة، ويصبح السؤال “كم حققنا؟” قبل أن يكون “ماذا بنينا؟”. عندها يغادر صناع الفكرة، ويبقى من يجيد إدارة المنتج، ويتحول المشروع تدريجياً من مدرسة تصنع أثراً إلى علامة تجارية تبحث عن نمو سريع، بينما تتآكل مقومات الاستدامة في صمت.
الاستثمار الحقيقي: الحفاظ على العقول لا شراء المنصات
لا تحتاج المشاريع الإعلامية الكبرى إلى مستثمر يؤمن بالأرقام فقط، ولا إلى صانع محتوى يؤمن بالفكرة فقط، بل إلى حوكمة تدرك أن بعض الأصول لا تظهر في القوائم المالية. فالذاكرة الإعلامية، والكوادر الوطنية، والثقافة المؤسسية، ليست مصروفات تشغيلية يمكن تعويضها، بل أصول استراتيجية لا تحميها إلا رؤية تتجاوز دورة الأرباح السنوية. والاستثمار الحقيقي في الإعلام لا يبدأ بشراء المنصات، بل بالحفاظ على العقول التي صنعت قيمتها.
التاريخ الإعلامي لا يتذكر أكثر المشاريع ربحية، بل يتذكر المشاريع التي غيرت شكل الصناعة، وأنتجت كوادر وطنية، وصنعت ذاكرة، وأسست مشهداً جديداً. فالقوة الناعمة لا تقاس بقائمة الدخل، بل بقدرتها على تشكيل الوعي، وصناعة الانتماء، وبناء صورة الوطن في الداخل والخارج.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس “كم ربحنا هذا العام؟” بل “ماذا سيبقى منا بعد عشرين عاماً؟”. لأن خسارة مشروع إعلامي ليست خسارة محتوى فقط، بل قد تكون خسارة جزء من الذاكرة الإعلامية السعودية المتراكمة، وخسارة لفرصة كان يمكن أن تصنع جيلاً جديداً من المبدعين، يحمل رواية وطنه بلغته، وثقافته، وروحه.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



