عبدالله الغذامي يعلن موعد نومه كل ليلة على X ويحقق انتصاراً على الخوارزمية

عادة النوم في التاسعة
في التاسعة مساءً يبدأ العالم الرقمي بفقدان توازنه، وتندلع معارك سياسية جديدة وتظهر فضائح لم تكتمل فصولها، بينما يكتشف محلل سرّاً جيوسياسياً فاته أجهزة الاستخبارات، ويكتب آخر خبراً عاجلاً عن حدث وقع قبل ساعات، ويستعد ملايين الناس لقضاء الليل يشرحون لبعضهم كيف يجب أن يُدار العالم.
وفي تلك اللحظة يتجه المفكر السعودي الكبير عبدالله الغذامي إلى فعل يكاد يكون ثورياً في عصرنا: يذهب إلى النوم، ولا يختفي خلسة بل يخبر متابعيه على منصة X أن موعد النوم قد حان ثم يغادر بصمت افتراضي.
فلسفة الغياب الرقمي
هذا السلوك يشبه توقيع معاهدة عدم اعتداء مع العالم: الليل بكل معاركه لكم، والصباح لي، وهي مسألة قد تبدو طريفة لكنها عند التأمل تعكس فلسفة الغذامي نفسه، إذ أمضى عقوداً في تفكيك الأنساق الثقافية والخطابات والظواهر الاجتماعية، ثم اكتشف أن النمط الأخطر في حياتنا الحديثة هو رغبة العالم في إبقاءك متاحاً طوال الوقت: الهاتف يريدك، الأخبار تريدك، الإشعارات تريدك، الجمهور يريدك، والخوارزمية بالتأكيد لا تريدك أن تنام أبداً.
كل شيء مصمم ليُقنعك بأن حدثاً تاريخياً سيحدث بعد خمس دقائق من إغلاق هاتفك، لكن الغذامي لا يفاوض الخوارزمية؛ الساعة التاسعة تعني التاسعة بالضبط، وهنا تكمن الفكرة الجميلة.
الخوارزمية وعدم القدرة على المنافسة
الانضباط ليس فقط القدرة على فعل الأشياء، بل أيضاً القدرة على التوقف عن فعلها والانسحاب بينما الجميع يتدافع نحو الحضور؛ في ثقافة رقمية أصبح الظهور فيها نوعاً من إثبات الوجود، يمارس الغذامي رفاهية نادرة: حق الغياب، فلا ينتظر آخر ترند ولا آخر مشاجرة ولا آخر تحليل ولا يحتاج إلى معرفة من انتصر في معركة الهاشتاغ قبل أن يضع رأسه على الوسادة.
إنه ثقة رجل يعرف حقيقة ربما نسيها جيل كامل: العالم قادر على إدارة نفسه بضع ساعات من دوننا، وربما أكثر ما يعجبني في طقس التاسعة أنه يفرق بين من يملك الوقت ومن يملكه الوقت. نحن نقول غالبًا “ليس لدي وقت” لكن الحقيقة أن وقتنا موجود؛ المشكلة أن الجميع أخذ قطعة منه: إشعار أخذ دقيقة، ومقطع أخذ عشراً، وجدال أخذ ساعة، وهاتف أخذ الليل كله.
أما الغذامي فله حدود زمنية واضحة: بعد التاسعة تنتهي صلاحية العالم! ولعل أكثر المشاهد طرافة أن آلاف المتابعين قد يستمرون بعد مغادرته في النقاش حول السياسة والثقافة والمجتمع ومستقبل البشرية، بينما الرجل الذي أمضى حياته في دراسة الثقافة يكون قد اتخذ موقفه النقدي الأخير لذلك اليوم: أغلق الهاتف ونام.
وعندما يستيقظ يجد أن معظم المعارك التي بدت مصيرية عند منتصف الليل أصبحت في الصباح منشورات قديمة.
هنا تكمن فلسفة التاسعة كلها: الحكيم ليس من يعرف كل ما يحدث، بل من يعرف ما الذي لا يستحق أن يسهر من أجله؛ لهذا لا أرى نوم عبدالله الغذامي المبكر مجرد شخصية فحسب، بل أراه انتصاراً صغيراً يتكرر كل ليلة في التاسعة تماماً، بينما تستمر الخوارزميات في الركض وتشتعل المنصات ويتجادل العالم حتى الفجر، وأما الغذامي فيهز X بالطريقة الوحيدة التي لم تتعلم الخوارزمية كيف تواجهها بعد: ينام.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



