الحسابات المحتجزة واختبار مرجعية الدولة في الفضاء الرقمي

الالتفاف على الإجراءات الرسمية
لا تبدأ القضية بحساب على منصة «إكس» ولا تنتهي عند صاحب مساحة صوتية؛ فالاختلاف معه أو الاتفاق معه detail صغير أمام سؤال أكبر: ما الذي يحدث عندما يصدر إجراء رسمي باحتجاز حساب داخل المملكة استجابةً لمطالبة قانونية، ثم يُعامل ذلك الإجراء وكأنه عقبة تقنية يمكن تجاوزها بحساب جديد، وجمهور جديد، ومساحة جديدة؟
المسألة هنا ليست شخصاً ولا منصة، بل مرجعية؛ والخطر الحقيقي يبدأ حين تصبح مرجعية الدولة نفسها قابلة للتفاوض، فنحترمها عندما توافقنا، ونبحث عن منفذ لتجاوزها عندما تخالف رغباتنا.
في الموروث السياسي والفقهي معنى راسخ يقوم عليه انتظام الجماعة، وهو أن وجود سلطة مختصة تفصل في الخصومات وتنظم الشأن العام ضرورة تمنع تحول المجتمع إلى اجتهادات متنازعة؛ ومن هنا جاء معنى السمع والطاعة في المعروف، وجاءت القواعد التي تقرر أن أحكام الجهة المختصة لا تبقى بعد صدورها ميداناً مفتوحاً لكل فرد ليعيد محاكمتها وفق هواه. المقصود ليس إغلاق باب الاعتراض النظامي، بل التفريق بين الاعتراض عبر قنواته المشروعة، وبين الالتفاف على الإجراء من خارجه.
الفرق كبير بين أن تعترض على قرار، وأن تتصرف كأن القرار غير موجود.
والخطر الثاني أن المخالفات لا تظل دائماً أفعالاً فردية؛ فقد تبدأ استثناءً، ثم تجد من يبررها، ثم من يتسامح معها، ثم من يعتادها، حتى يصبح الالتفاف نفسه ثقافة؛ وهنا تتجاوز القضية شخصاً بعينه إلى علاقة المجتمع بفكرة النظام، فالدول لا تعتمد على قوة النصوص وحدها، بل على رسوخها في الوعي العام.
وابن خلدون، في حديثه عن الدولة والعصبية والهيبة وأطوار العمران، يلفت إلى أن قوة الدولة ليست منفصلة عن صورتها في نفوس الناس، وأن تراجع الهيبة وضعف الانقياد من علامات الوهن في بنيانها؛ ولهذا فإن الخطر ليس في أن يخالف فرد إجراءً، بل في أن يصبح تجاوز الإجراء أمراً عادياً، أو مادة للتندر، أو علامة على «الشطارة».
مرجعية الدولة بين التوافق والاختلاف
وفي العصر الرقمي، المسألة أكثر تعقيداً؛ لأن المنصات غيّرت معنى الحضور والتأثير، فالحساب لا يعيش بصاحبه وحده، بل بالشبكة التي تمنحه الوصول، والتفاعل، والانتشار، وإعادة التدوير؛ ولهذا فإن المشاركة أو الترويج أو تقديم الحساب البديل للجمهور قد يمنحه أثراً جديداً، لكن من المهم ألا نقع في التعميم المقابل، فليست كل متابعة دعماً، وليس كل حضور تأييداً، ولا يجوز لنا أن نحمّل كل شخص مسؤولية قانونية أو أخلاقية لمجرد وجوده.
الفارق هنا في الفعل والأثر والقصد والسياق، وتقدير ذلك كله ليس من اختصاص الجمهور، بل من اختصاص الجهات المختصة.
وهنا تسقط حجة «أنا مجرد مستمع» بوصفها عذراً مطلقاً، كما تسقط أيضاً تهمة «كل مستمع شريك» بوصفها حكماً مطلقاً؛ فالوعي الحقيقي لا يعيش على التعميمات، بل على التمييز بين الفضول والترويج، وبين الاستماع والدعم، وبين الحضور والمساهمة الفعلية في إعادة منح التأثير.
وأما الاختبار الأصعب فهو اختبار المرجعية؛ فاحترام القرار الذي يوافقنا لا يثبت شيئاً، لأن الطاعة في هذه الحالة لا تكلفنا موقفاً؛ بل يظهر احترام المرجعية عندما يصدر قرار لا يوافق رغبتنا، أو يمس شخصاً نتعاطف معه، أو يتعارض مع موقف تبنيناه سابقاً.
فمن يجعل الدولة مرجعاً حين توافقه، ويجعل هواه مرجعاً حين تخالفه، لم يجعل الدولة مرجعاً من الأصل.
الوعي الوطني مقابل الحماسة
ومع ذلك، فإن الدفاع عن هيبة النظام لا يعني أن يتحول المواطن إلى محقق، أو المغرد إلى قاضٍ، أو المنصة إلى محكمة شعبية؛ فمن يشتبه في حساب بديل، أو مشاركة، أو ترويج يعتقد أنه يلتف على إجراء رسمي، فدوره أن يوثق الواقعة كما هي، ويبلغ عنها عبر القنوات الرسمية، ثم يتوقف؛ فالبلاغ إحالة إلى جهة الاختصاص، لا حكماً بالإدانة.
هنا تحديداً يظهر الفرق بين الحماسة الوطنية والوعي الوطني؛ فالحماسة قد تدفع صاحبها إلى تجاوز حدوده باسم الدفاع عن الدولة، أما الوعي فيعرف أن أقوى أشكال احترام الدولة هو ألا نغتصب صلاحياتها.
لهذا فالقضية ليست حساباً محتجزاً، ولا مساحة صوتية، ولا صاحب حساب، بل قاعدة أوسع: ألا يتحول الالتفاف على الإجراء الرسمي من استثناء إلى عادة، وألا يتحول الدفاع عن النظام من وعي إلى فوضى.
نختلف كما نشاء، ونعترض عبر القنوات التي يتيحها النظام، ونوثق ما نراه، ونبلغ عما نشتبه فيه، ثم نقف عند حدودنا؛ لأن الوطنية ليست أن نقوم مقام الدولة، بل أن نحمي مرجعيتها.
وحين تكون الدولة هي المرجع، لا يبقى الحكم للجمهور، ولا للمنصة، ولا لصاحب أعلى صوت .. يبقى للدولة وحدها.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



