خبير اجتماعي: معظم الناس لا يستمعون بل ينتظرون دورهم في الكلام

يشير الدكتور سعود النداح إلى أن ما يسمى بالاستماع لدى الكثيرين ليس أكثر من صمت قصير يتم خلاله انتظار الفرصة المناسبة للحديث. فعندما يتحدث شخص أمامنا عن هم أو خبر أو فكرة، نسمع نصف جملته ونبدأ في إكمال الباقي من عندنا. نهز رؤوسنا في اللحظات المناسبة، وتقول أعيننا إننا حاضرون، بينما تكون أذهاننا منشغلة بالرد الذي ننتظر لحظة دخوله.
نرجسية الحوار: رد يدعم وآخر ينقل
وقد درس عالم الاجتماع تشارلز ديربر هذا السلوك ووصفه بما أسماه نرجسية الحوار. فهو يميز بين نوعين من الردود. الأول رد يدعم: عندما يقول لك أحدهم إنه متعب من العمل فتسأله ما الذي أتعبه. والثاني رد ينقل: فتقول له وأنا أتعب أكثر منك ثم تحكي قصتك. الأول يبقي الحديث عنده، والثاني يسحبه إليك بلطف لا يشعر به أحد. والمدهش أن أكثرنا يمارس النوع الثاني وهو يظن أنه يواسي.
السبب: العقل أسرع من اللسان
والسبب في الغالب ليس قلة أدب، بل أن العقل أسرع من اللسان بكثير، فيجد فراغاً في كل جملة يسمعها ويملؤه بما يشغله هو. وكل فراغ يملؤه المستمع بنفسه يخرج منه المتحدث خطوة. ثم نتعجب بعد ذلك أن الناس لا يفتحون لنا قلوبهم، مع أننا نجلس معهم الساعات.
والأمر أكبر من مجرد أدب في الحديث. الإنسان حين يتحدث عن شيء يؤلمه لا يطلب غالباً حلاً، بل يطلب أن يرى أحداً يحمل معه الجملة قبل أن يحاول تغييرها. ولهذا ترى نصيحة صحيحة تماماً تُرفض لأنها جاءت قبل الاستماع، وترى كلمة عادية تُقبل لأنها جاءت بعده. والناس لا يتذكرون ما قلته لهم بقدر ما يتذكرون هل شعروا أنك سمعتهم.
الاستماع في البيوت وأماكن العمل
وتظهر الكلفة في البيوت وأماكن العمل أكثر من أي مكان آخر. مدير لا يسمع موظفيه حتى النهاية يكتشف المشكلة بعد أن تكبر. وأب يقاطع ابنه ليصحح له يتعلم ابنه أن يكف عن الحديث معه. والصمت الذي يظنه الأب هدوءاً قد يكون إغلاقاً.
كيف نتدرب على الاستماع الحقيقي
والتدريب على مهارة الاستماع أبسط مما نظن. أول ما يلزم أن تنتظر ثانية واحدة بعد أن ينتهي المتحدث قبل أن ترد. وثاني ما يلزم أن تسأل سؤالاً واحداً عما قاله قبل أن تتحدث عن نفسك. وثالثها أن تعيد عليه ما سمعته بجملة قصيرة: «يعني أكثر ما أزعجك كذا؟». هذه الجملة وحدها تجعل المتحدث يشعر أنه حضر في ذهنك، لا أنه مجرد صوت يمر.
وليس معنى هذا أن تصمت دائماً ولا أن تخفي تجربتك. فالقصة التي تحكيها بعد أن تستمع قد تكون أصدق مواساة (لقد مررت بشيء مشابه). المشكلة في قصة تسبق الاستماع أو تحل محله.
وفي زمن امتلأ بالأصوات، صار الإنصات أندر ما يقدمه إنسان لآخر. أغلب من حولك لا يطلب رأياً منك، بل يطلب أذناً تسمعه فقط.






