الحجة القوية: حين تقود المقدمات إلى نتيجتها

الحجة القوية: حين تقود المقدمات إلى نتيجتها

قد يظن البعض أن الإقناع يأتي من نبرة الواثق أو جمال الصياغة، غير أن جوهر الرسالة المقنعة كثيراً ما يكمن في رابط خفي بين ما يُطرح من أفكار وما يترتب عليها من نتائج، بحيث يصعب على المتلقي أن يفصل بين الخطوتين.

هنا يتجلى الفارق الجوهري بين مجرد إبداء الرأي وبناء حجة متكاملة. فالرأي يبدأ وينتهي عند صاحبه، فقد يقول قائل: إنه يعتقد أن القرار مناسب، أو يرى أن المبادرة ستنجح، أو يظن أن هذا الخيار أفضل. أما الحجة فتتطلب سؤالاً إضافياً: ما الذي يجعل هذه النتيجة منطقية في ضوء ما سبقها من مقدمات؟

الرأي موقف شخصي والحجة مسار منطقي

وفي القرآن الكريم نماذج بديعة لهذا البناء الاستدلالي، ومنها قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فالآية الكريمة تربط بين المقدمة والنتيجة برابط واضح؛ فافتراض تعدد الآلهة يستلزم فساد السماوات والأرض، وحين تنتفي النتيجة يظهر البرهان الكامن وراءها.

ومن منظور تواصلي، يبدو لافتاً أن الإقناع لا يعتمد على كثرة الشرح بقدر ما يعتمد على تماسك الطريق الذي يربط الفكرة بنتيجتها.

وهذا ما تفتقر إليه كثير من الخطابات المعاصرة؛ إذ نسمع النتيجة النهائية دون أن نعرف المسار الذي قاد إليها.

النتائج بلا مقدمات لا تبني اقتناعاً

فعندما تقول مؤسسة إن مشروعاً ما سيحدث أثراً كبيراً، فهذه نتيجة تنتظر مقدمات تجعلها معقولة: ما المشكلة التي يسعى المشروع إلى حلها؟ وما نطاقها؟ وكيف يمكن لأنشطته أن تحدث التغيير المتوقع؟ وما المؤشرات التي ستكشف تحقق ذلك؟

وكلما اتضحت الصلة بين هذه العناصر، ازدادت قدرة الرسالة على الإقناع؛ لأن الجمهور يستطيع أن يتتبع مسار الفكرة بدلاً من أن يُطلب منه قبول نهايتها فقط.

وينطبق الأمر نفسه على الأرقام؛ فقد تعلن جهة عن تحقيق نسبة مرتفعة في مؤشر ما، فتبدو النتيجة مثيرة للإعجاب، غير أن القيمة الاتصالية الحقيقية تظهر عندما نفهم كيف تحققت هذه النسبة وما الذي تغير حتى وصل الأداء إليها. فالنتائج المنفصلة عن مقدماتها قد تلفت الانتباه، لكنها لا تبني اقتناعاً راسخاً في الغالب.

من الخطأ الاهتمام بالخلاصة قبل بناء الطريق

ولهذا يعد من الأخطاء الشائعة في الاتصال أن نركز على صياغة الخلاصة ونهمل بناء الطريق المؤدي إليها. فنكتب عبارات من قبيل “حقق البرنامج أثراً نوعياً” ثم نبحث عما يدعمها، أو نقول “أسهمت المبادرة في تحسين التجربة” ثم نحاول لاحقاً شرح العلاقة بين ما فعلناه وما تحقق.

والأقوى أن نسير في الاتجاه المعاكس: نبني الحجة أولاً ثم ندع النتيجة تأتي في مكانها الطبيعي.

وهذه المهارة ضرورية أيضاً في الاجتماعات والنقاشات المهنية؛ فحين يختلف فريق حول قرار ما، قد يكرر كل طرف موقفه بصوت أعلى أو بصياغة جديدة، بينما يمكن للنقاش أن يصبح أكثر إنتاجية إذا عاد إلى مقدماته: ما المعلومات التي يستند إليها القرار؟ وما الصلة بينها وبين الخيار المقترح؟

فكثير من الخلافات التي تبدو خلافات على النتائج تكون في حقيقتها خلافات على المقدمات التي أنتجتها.

تماسك الحجة في زمن الذكاء الاصطناعي

وفي عصر صارت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي تنتج نصوصاً بليغة في لحظات، تصبح هذه المهارة أكثر أهمية؛ فجمال الصياغة لا يعادل سلامة المنطق، وقد نصادف نصاً يبدو مقنعاً ثم ندرك عند تحليله أن مقدماته لا تفضي إلى النتيجة المبنية عليها.

لذلك صار من المهم ألا نكتفي بالسؤال: هل تبدو هذه الرسالة مقنعة؟ بل ينبغي أن نسأل: هل تقود مقدماتها فعلاً إلى نتيجتها؟

فقد تضفي البلاغة على الفكرة جمالاً، وتمنحها الثقة تأثيراً، ويجعلها التكرار مألوفة، غير أن الحجة المتماسكة وحدها تمتلك القدرة على حمل الطريق إلى نتيجتها داخلها.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *