جدة تختتم المؤتمر البحري واللوجستي 2026 بشراكات صناعية وتعليمية وسياحية

تواصل المملكة العربية السعودية توسيع حضورها في قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية، عبر استضافة مؤتمرات دولية وإقامة شراكات استثمارية وصناعية، ضمن مسار يهدف إلى رفع القدرة التنافسية للموانئ السعودية وزيادة كفاءة ارتباطها بشبكات التجارة العالمية.
وتحظى مدينة جدة بمكانة محورية في هذا التوجه، بفضل موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر وارتباطها الوثيق بحركة التجارة البحرية الدولية، إضافة إلى استضافتها فعاليات تجمع ممثلي الشركات والمستثمرين وصنّاع القرار والخبراء في مجالات الشحن والموانئ والخدمات اللوجستية.
واختُتمت في المدينة أعمال المؤتمر السعودي البحري واللوجستي 2026 في 25 أكتوبر، بمشاركة واسعة من جهات محلية ودولية، وشهد توقيع اتفاقيات معنية بتطوير الصناعة البحرية وتأهيل الكفاءات الوطنية.
أرقام قياسية في المشاركة
سجّل المؤتمر أكثر من 34 ألف مسجل وزائر، بارتفاع نسبته 33% مقارنة بنسخة عام 2025. وضمّت فعالياته 90 جهة عارضة، و41 متحدثًا من القيادات والخبراء والمتخصصين، إلى جانب 10 جلسات حوارية استعرضت أبرز التطورات والتحديات والفرص المتاحة في قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية.
وتعكس هذه المشاركة الواسعة حجم الاهتمام بالفرص الاستثمارية والتشغيلية التي يوفرها القطاع البحري السعودي، خاصة مع توجه المملكة إلى تعزيز تكامل شبكات النقل والموانئ والخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد.
كما تتيح هذه اللقاءات للشركات فرصة التعرف على احتياجات السوق السعودية، وبحث سبل التعاون مع الجهات الحكومية والمستثمرين والمشغلين الدوليين، وهو ما يمكن أن يمهد لإقامة مشروعات وشراكات جديدة.
اتفاقيات لبناء ناقلات عملاقة وتأهيل الكفاءات
ومن أبرز النتائج العملية للمؤتمر توقيع عقد بين شركة البحري والشركة العالمية للصناعات البحرية لبناء ثلاث ناقلات نفط خام عملاقة، تبلغ حمولة كل منها 320 ألف طن ساكن، في خطوة تستهدف توسيع قدرات الأسطول البحري وتعزيز كفاءته التشغيلية.
ولا تقتصر أهمية هذا الاتفاق على زيادة عدد السفن، بل تمتد إلى تطوير قدرات بناء السفن وتوطين الأنشطة الصناعية والخدمات المرتبطة بها داخل المملكة. ومن شأن هذه المشروعات أن تنشّط سلاسل التوريد الصناعية، وتزيد الطلب على الخدمات الهندسية والفنية، وتخلق فرصًا أوسع للشركات المحلية العاملة في الصناعات البحرية.
ويجسّد الانتقال من النقاشات إلى توقيع عقود صناعية نموذجًا عمليًا لكيفية تحوّل المؤتمرات المتخصصة إلى منصات لتطوير مشروعات اقتصادية ملموسة.
ولم تقتصر الاتفاقيات على الجانب التجاري والصناعي، بل امتدت إلى الاستثمار في الموارد البشرية، عبر توقيع اتفاقية شراكة مهنية بين شركة البحري وجامعة جدة. وتستهدف هذه الاتفاقية تأهيل الكفاءات الوطنية وتطوير مهاراتها في قطاعي النقل البحري والخدمات اللوجستية، من خلال الربط بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.
كما تتضمن تعزيز فرص التدريب الميداني والتعاوني للطلاب والطالبات، بما يسهم في إعداد كوادر مؤهلة للعمل في قطاع يشهد تطورات تقنية وتشغيلية متسارعة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل احتياج الأنشطة البحرية إلى تخصصات متنوعة تشمل الإدارة اللوجستية والهندسة والتشغيل والسلامة والأنظمة الرقمية.
ومن الناحية الاقتصادية، يمثل الاستثمار في الكفاءات المحلية عاملًا داعمًا لاستدامة نمو القطاع، وقادرًا على تقليل الاعتماد على الخبرات الخارجية في بعض التخصصات على المدى الطويل.
التحول الرقمي ومكانة البحر الأحمر
وتناولت جلسات المؤتمر دور التقنيات الحديثة في تطوير العمليات البحرية، ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية، وتحسين قدرة المنشآت على التعامل مع المتغيرات في حركة التجارة العالمية. ويُعد التحول الرقمي أحد المحاور الأساسية لتطوير الموانئ، عبر الاستفادة من أنظمة إدارة العمليات وتبادل البيانات وتنسيق حركة الشحنات والخدمات.
ويمكن للتقنيات الرقمية أن تساعد الشركات والمشغلين على تحسين التخطيط التشغيلي وتقليل بعض الإجراءات التقليدية، إلى جانب تعزيز القدرة على متابعة الشحنات وإدارة المخاطر. كما تتيح هذه التحولات فرصًا أمام الشركات التقنية لتقديم حلول متخصصة في إدارة سلاسل الإمداد والخدمات البحرية وتحليل البيانات.
ولا تقتصر أهمية هذه التطورات على الموانئ وحدها، إذ تمتد آثارها المحتملة إلى الشركات الصناعية والتجارية التي تعتمد على حركة الاستيراد والتصدير وانتظام سلاسل التوريد.
ويمنح الموقع الجغرافي للمملكة على البحر الأحمر أهمية خاصة لتطوير قطاع النقل البحري، نظرًا لارتباط هذا الممر بحركة التجارة بين آسيا وأوروبا والأسواق الإقليمية. ومن خلال تطوير الموانئ والبنية التحتية والخدمات المرتبطة بالشحن، تسعى السعودية إلى تعزيز قدرتها على جذب الأنشطة اللوجستية والاستثمارات ذات الصلة.
وتأتي استضافة المؤتمرات والمعارض البحرية بوصفها إحدى الوسائل الداعمة لهذا التوجه، إذ توفر فرصًا للتواصل المباشر مع الشركات الدولية والتعرف على أحدث المعدات والحلول التشغيلية. كما ناقش المؤتمر فرص الاستدامة واستخدام مصادر الطاقة البديلة وتطوير إدارة المخاطر، وهي موضوعات تزداد أهمية في قطاع النقل البحري عالميًا.
معرض اليخوت وامتداد الاستثمار البحري
وفي مسار موازٍ لتطوير الشحن والصناعة البحرية، شهدت جدة في 25 أكتوبر توقيع اتفاقية لاستضافة معرض البحر الأحمر لليخوت لمدة عشرة أعوام. وجرى توقيع الاتفاقية بين شركتي «صلة» المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة و«تحالف»، بحضور نائب أمير منطقة مكة المكرمة الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز.
ومن المقرر أن يكون المعرض امتدادًا لمعرض موناكو العالمي لليخوت، بما يعزز حضور المملكة في قطاع اليخوت والسياحة البحرية ويفتح المجال أمام التعاون مع المؤسسات الدولية المتخصصة. وتبرز أهمية الاتفاقية في امتداد الاستثمار البحري إلى أنشطة أخرى إلى جانب الشحن، مثل السياحة الساحلية وصيانة اليخوت والخدمات البحرية والضيافة.
ومن شأن استضافة فعالية دولية متخصصة على مدى سنوات أن توفر للشركات المحلية فرصة لبناء علاقات مستمرة مع جهات عالمية، بدلًا من الاكتفاء بلقاءات تجارية قصيرة الأجل.
وتتحدد القيمة الاقتصادية للملتقيات البحرية بمدى قدرتها على إنتاج شراكات قابلة للتنفيذ، وليس فقط بأعداد المشاركين أو حجم المعارض المصاحبة. وتبدأ هذه العملية بتبادل المعلومات والخبرات والتعرف على الفرص الاستثمارية، ثم الانتقال إلى المفاوضات والاتفاقيات، وصولًا إلى تنفيذ المشروعات وقياس نتائجها.
وتقدم اتفاقية بناء ناقلات النفط العملاقة، والشراكة المهنية مع جامعة جدة، واتفاقية معرض البحر الأحمر لليخوت أمثلة مختلفة على هذا المسار؛ فالأولى ترتبط بتوسيع القدرات الصناعية والتشغيلية، والثانية تستثمر في تطوير الموارد البشرية، بينما تستهدف الثالثة توسيع حضور المملكة في أحد مجالات السياحة البحرية المتخصصة.
غير أن قياس العوائد الاقتصادية النهائية لهذه الاتفاقيات يتطلب متابعة مراحل التنفيذ، وحجم الاستثمارات الفعلية، وفرص العمل المستحدثة، ومدى مساهمتها في تطوير الخدمات والصناعات المحلية.
وتندرج هذه التحركات ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 والاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، اللتين تركزان على تطوير البنية التحتية وتحسين كفاءة القطاع وتعزيز ارتباط المملكة بالأسواق العالمية. وتسعى السعودية إلى توظيف موقعها الجغرافي واستثماراتها في الموانئ والمناطق اللوجستية والصناعات البحرية لبناء منظومة متكاملة تدعم حركة التجارة والاستثمار.
وتبرز جدة في هذا المشهد بوصفها منصة تجمع بين النشاط الملاحي والاستثماري والصناعي والسياحي، ما يمنحها فرصًا للاستفادة من التوسع في قطاعات بحرية متعددة. ويؤكد المؤتمر السعودي البحري واللوجستي 2026 أن اللقاءات المتخصصة يمكن أن تتجاوز دورها التقليدي في تبادل الخبرات، لتتحول إلى أدوات لبناء علاقات تجارية وصناعية ومهنية طويلة الأمد.
ومع استمرار تنفيذ الاتفاقيات وتطوير البنية التحتية والخدمات، يمكن لهذه الشراكات أن تدعم تنافسية قطاع النقل البحري السعودي وتعزز مساهمته في تنويع الاقتصاد ورفع مستوى التكامل مع حركة التجارة الدولية.






