هل تعكس المنصات الرقمية رأي المجتمع الحقيقي؟ تحليل نقدي لظاهرة الترند

هل تعكس المنصات الرقمية رأي المجتمع الحقيقي؟ تحليل نقدي لظاهرة الترند

في عصر تهيمن فيه المنصات الرقمية على المشهد العام، يثار تساؤل جوهري: هل ما يظهر على هذه المنصات يعبر فعلاً عن رأي المجتمع، أم أنه مجرد رأي الفئة الأكثر نشاطاً فيها؟ هذا ما يناقشه الدكتور رياض بن حمد العمري في تحليله لظاهرة تصدر الوسوم والقضايا على مواقع التواصل الاجتماعي.

التفاعل ليس مقياساً للرأي العام

يرى العمري أن المنصات الرقمية تقيس التفاعل، وليس حجم الرأي الحقيقي في المجتمع. فظهور موضوع ما كـ”ترند” قد يكون نتيجة نشاط مجموعة محدودة، أو بسبب مقطع أثار الجدل وانتشر بسرعة، في حين أن كثيراً من الناس قد لا يكون لهم موقف منه أصلاً، أو لا يرون أنه يستحق المشاركة. ويشير إلى أن الحياة اليومية تكشف أحياناً صورة مختلفة عما يظهر على الشاشات؛ فقد يشغل موضوع ما المنصات أياماً دون أن يُذكر في المجالس أو أماكن العمل أو اللقاءات العائلية، والعكس صحيح أيضاً، إذ توجد قضايا تمس حياة الناس مباشرة لكنها لا تحظى بالحضور نفسه على المنصات.

الخوارزميات وتأثير المعترضين

ويوضح الكاتب أن كثرة التفاعل لا تعني بالضرورة كثرة المؤيدين، فقد يكون بعض من يسهمون في انتشار المحتوى من المعترضين عليه أصلاً، من خلال الرد والنقد وإعادة النشر. كما تؤثر الخوارزميات في الصورة التي نراها، إذ تعرض لكل مستخدم مزيداً مما يوافق اهتماماته وتفاعلاته، فيظن أحياناً أن ما يراه يشغل الجميع. وتظهر المشكلة حين تنتقل هذه الصورة إلى أحكام عامة، مثل القول: “المجتمع يرفض”، أو “الناس يؤيدون”، أو “الجميع غاضبون”، استناداً إلى وسم أو نقاش دار في منصة واحدة.

الاستغلال الفكري وضرورة التثبت

ومن زاوية الأمن الفكري، يحذر العمري من استغلال المنصات في إثارة التفرق والتنازع، أو تضخيم بعض القضايا حتى يبدو الخلاف أوسع مما هو عليه في الواقع. وقد تسهم حسابات معادية أو مجهولة في نشر أخبار كاذبة وشائعات تزيد التشويش وتربك الرأي العام. وهنا تبرز أهمية الرجوع إلى المصادر الرسمية، وعدم المساهمة في نشر ما لم يُتثبت منه. ويؤكد أنه في القضايا الاجتماعية والفكرية، لا تجعل كثرة تداول الفكرة منها حقيقة، كما أن انتشارها لا يعني بالضرورة اتساع القناعة بها.

المنصات مؤشر لا حكم نهائي

ولا ينفي الكاتب قيمة المنصات الرقمية في معرفة ما يشغل الناس؛ فهي تكشف قضايا مهمة، وتنقل تجارب ووجهات نظر متنوعة، وتؤثر في النقاش الاجتماعي نفسه. لكنها تبقى جزءاً من الصورة، وليست الصورة كلها. ويخلص العمري إلى أنه من الأفضل التعامل مع ما يتصدر المنصات باعتباره مؤشراً يستحق الانتباه، لا حكماً نهائياً على الناس، فالمجتمع أوسع من منصة، ولا يمكن اختصار رأيه في موجة تفاعل ترتفع صباحاً وتختفي مساءً.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *