تعدد الأصوات في المؤسسات: توحيد المعنى لا الصوت هو الحل

تعدد الأصوات في المؤسسات: توحيد المعنى لا الصوت هو الحل

قد تمتلك المؤسسة هوية بصرية واحدة وشعاراً واحداً وموقعاً إلكترونياً واحداً، ثم تقدم نفسها للجمهور بعدة صور لا تجمعها رسالة واضحة. الإدارة تصدر توجيهاً، والمتحدث الرسمي يدلي بتصريح مختلف، وخدمة المستفيدين تقدم تفسيراً ثالثاً، بينما يكتب حساب المؤسسة على منصات التواصل الاجتماعي محتوى لا يتوافق مع ما يسمعه الجمهور عند الاتصال بالجهة نفسها.

المشكلة ليست في كثرة المتحدثين

المشكلة هنا لا تكمن في تعدد المتحدثين؛ فالمؤسسات الحديثة تحتاج إلى عشرات الأشخاص والقنوات التي تتواصل من خلالها. تبدأ المشكلة الحقيقية عندما يتعدد المتحدثون وتتعدد معهم الرسالة ذاتها. ويقدم قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ صورة بالغة الثراء في بيان أثر تعدد الجهات المتعارضة مقابل وضوح الوجهة ووحدة المرجع. وفي أصل الآية تقرير لمعنى عقدي، وفي بنائها مجال للتأمل في قيمة الانسجام ووضوح التوجيه.

الجمهور لا يرى الهيكل التنظيمي

هذه الزاوية تعد مهمة في الاتصال المؤسسي؛ لأن الجمهور حين يتعامل مع المؤسسة لا يرى هيكلها التنظيمي، بل يراها كياناً واحداً، حتى لو كانت رسالته قد مرت في الداخل بين إدارات متعددة. فعندما تعلن جهة سياسة جديدة، ثم يقدم مركز الاتصال معلومات مختلفة عنها، لا يقول الجمهور عادة: هناك خلل في التنسيق بين إدارتين. ما يتأثر في ذهنه هو صورة المؤسسة بأكملها.

ولذلك فإن توحيد الرسالة لا يعني أن يتحدث الجميع بالنص نفسه، ولا أن تحتكر إدارة الاتصال كل كلمة تخرج من المؤسسة. المقصود أعمق من ذلك: أن توجد مرجعية مشتركة للمعنى يعرف من خلالها كل من يتواصل باسم المؤسسة ماذا نقول وكيف نقوله، وما الذي ينبغي أن يبقى ثابتاً مهما تغيرت القناة أو المتحدث. فالمدير قد يشرح القرار بلغة إدارية، والمتحدث يقدمه إعلامياً، والموظف يجيب المستفيد بلغة عملية، وحساب المنصة يختصره في بضعة أسطر. الصيغ مختلفة، لكن المعنى ينبغي أن يظل متسقاً.

توحيد الصوت مقابل توحيد المعنى

هنا يظهر الفرق بين توحيد الصوت وتوحيد المعنى. المؤسسة الناضجة اتصالياً لا تبحث عن صوت واحد، وإنما عن أصوات متعددة تنتمي إلى مرجعية واحدة. وهذا يفسر لماذا لا تكفي الهوية البصرية وحدها لصناعة هوية مؤسسية متماسكة. قد تتطابق الألوان والخطوط والقوالب في جميع المنصات، بينما تختلف الرسائل والمواقف وطريقة التعامل مع الناس، فيبدو الشكل موحداً ويظل الاتصال من الداخل متباعداً.

اختبار نضج الاتصال المؤسسي

من هنا يرى الكاتب أن أحد الاختبارات الحقيقية لنضج الاتصال المؤسسي يبدأ بسؤال بسيط: إذا سألنا خمسة أشخاص في المؤسسة عن القضية نفسها، فهل سنحصل على خمس صياغات لمعنى واحد، أم على خمسة معانٍ مختلفة؟ الأولى تنوع طبيعي في التعبير، والثانية تكشف مشكلة في إدارة الرسالة. ومع اتساع المنصات، وتسارع النشر، ودخول الموظفين والقيادات في مساحات التواصل العامة، أصبحت هذه المسألة أكثر حساسية. فكل موظف قادر اليوم على أن يتحول – بقصد أو من دونه – إلى نقطة اتصال مع الجمهور.

ولهذا لم تعد إدارة الاتصال معنية فقط بما تنشره المؤسسة، وإنما أيضاً ببناء المرجعية التي تجعل من يتحدث باسمها يعرف حدود الرسالة ومعناها وسياقها. فالمؤسسة تستطيع أن تتحدث بمائة صوت وأن تبقى واضحة، المهم أن تعرف هذه الأصوات جميعاً: ما المعنى الذي تنتمي إليه.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *