تأملات في الوفاء بالوعود الخاطئة: بين الأخلاق والضغوط

يثير التساؤل حول ما إذا كان يجب الوفاء بالوعود الخاطئة أو السيئة أو غير الأخلاقية أو غير القانونية، وحق الطرف الموعود في الإصرار على إلزام الواعد بها، جدلاً واسعاً في الأوساط الفكرية والأخلاقية.
يرى البعض أن غالب الأسوياء يتفقون على أن الوعد أو التعهد، مهما كان واضحاً، ليس ملزماً إذا كان سيؤدي إلى فعل شرير أو غير أخلاقي. لكن هذه الرؤية تواجه ثلاث مسائل رئيسية تستدعي التأمل.
نسبية الأخلاق ووجهات النظر
المسألة الأولى تدور حول نسبية الأخلاق واختلاف وجهات النظر. فماذا لو تراجع الواعد أو رفض تنفيذ الوعد بدعوى أنه أمر سيء أو غير أخلاقي في نظره، بينما لا يرى الموعود أي خطأ أو سوء أو ضرر في الوفاء به؟
التهديد والضغوط الكبيرة
المسألة الثانية تتعلق بحالة إصرار الموعود على تهديد الواعد التائب أو النادم أو المتراجع، بقتله مثلاً، أو بإحداث مشكلة كبيرة جداً قد يكون ضررها أكبر بكثير من ضرر الوفاء بالوعد الخاطئ. هنا يثار سؤال: هل يفي الواعد بوعده وفق قاعدة (أخف الضررين)؟ وماذا إذا كان الوفاء سيتسبب في الإضرار بمجتمع أو بشخص بريء؟
الثقة والسمعة
المسألة الثالثة تتعلق بمعرفة أشخاص آخرين بالموضوع، حيث قد يؤدي عدم الوفاء بهذا الوعد -رغم خطئه وسوئه في رأي الواعد- إلى هز ثقة الكثير من الناس به، خاصة إذا كانت هذه الثقة مرتبطة بأمور كثيرة أخرى طيبة وإيجابية ونافعة.
يرى الكاتب أن قاعدة الأصوليين في الفقه: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) جيدة، لكن الظروف والضغوط أحياناً تكون أكبر أو أقوى، ويقترح حلاً وفق التدرج التالي:
أولاً: تقييم الوعد السيء وهل هو أسوأ من الكذب والخداع، وهل ستكون له أضرار على آخرين أو مساس بشيء لا يصح المساس به. فإن كان بسيطاً أو أقل سوءاً من الكذب والخداع في تقييم الواعد، ولن يترتب عليه ضرر بين، فيجب عليه -في نظره- الوفاء به، حتى لو كان مقتنعاً أنه ليس أمراً جيداً أو حسناً، ما دام الأمر يدخل في دائرة نسبية التقدير واختلاف وجهات النظر.
ثانياً: إذا كان الوعد ثقيل الوزن في السوء أو الضرر أو الشر، فهنا تجب محاولة إقناع الموعود بالحوار والمنطق لعل ضميره يستيقظ فيتخلى عن الإلحاح أو التهديد.
ثالثاً: إذا أصر الموعود، وظهر من حاله أنه قد يفعل شيئاً ذا ضرر هائل يفوق ضرره ضرر الوفاء بذلك الوعد، فلا مانع من إرضائه بطريقة أخرى، كتعويضه بصورة أخلاقية وسليمة، تجعله يقتنع ويقبل ويترك الوعد الأساسي غير السليم. وبالإمكان الوصول إلى صور تعويضية سليمة كثيرة، ويحتاج الإنسان إلى حكمة وهدوء وتفكير.
رابعاً: إذا رفض الموعود كل المحاولات، فهنا قد يكون من المناسب البحث عن مهرب ذكي، كمحاولة إقناعه بأن الوفاء بالوعد سيضره هو قبل غيره؛ فقد يورطه مثلاً في مشاكل قانونية أو يشوه سمعته، أو يقوده إلى السجن. أو التحجج بأن الظروف التي بني عليها الوعد تغيرت، أو أن أموراً ظهرت لم تكن ظاهرة في البداية.
خامساً: إذا لم يجد الواعد أي حل للتخلص من الوعد الذي ثبت له أنه سيء أو قبيح، فلا يجب عليه الوفاء به إذا كان فيه شر أو خطأ أخلاقي أو قانوني ظاهر، أو ضرر كبير، ويجب هنا أن يواجه الموعود بهدوء وينسحب تماماً، بعد أن يقول له كلاماً يصوغه بعناية، مثل: «سامحني فأنا لا أستطيع الوفاء لأن ضميري لا يقبل، وأعتذر منك لتسرعي في الوعد».
سادساً: إذا لم تفلح كل الأساليب والحيل، وأدرك الواعد الراغب في التوبة أو التراجع أن الموعود سيرتكب ردة فعل خطيرة أو مضرة جداً يفوق ضررها ضرر الوفاء بذلك الوعد الخاطئ، فهنا فقط -في رأي الكاتب- قد يعذر إن أوفى بالوعد الخاطئ أو السيء، شريطة أن يبذل بصدق كل ما بوسعه لعدم الوفاء، وأن تفشل كل محاولاته، مع الاجتهاد أن يكون الوفاء جزئياً قدر الإمكان، وأن يقلل من حجمه، أو يوقفه فور شعوره بزوال خطر الموعود أو دوافعه لارتكاب ما هو أكثر سوءاً أو خطأ أو ضرراً.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



