الرئيسيةكتاب و آراءالنداء بالاسم المجرد: جوهر الهوية وسط...
كتاب و آراء

النداء بالاسم المجرد: جوهر الهوية وسط ضجيج الألقاب

31/07/2026 13:00

الاسم كهوية أولية

متى كان آخر مرة سمعت اسمك مجردًا من أي صفة أو وظيفة؟ لا precede بـ”دكتور” أو “أستاذ” أو “مهندس” أو أي كنية عائلية. إذا استعرضت يومك أو أسبوعك ستجد أن ذلك الاسم الذي رافقك منذ الصغر تحول إلى سلعة نادرة لا يتداولها سوى قليلون. مع التقدم في العمر استولت الألقاب على هويتنا وغفلت عن لحظة تحولها.

اللقب وطغيان المكانة

الاسم ليس مجرد كلمة تعريفية كما نعتقد؛ بل هو أول هدية تلقيناها في هذه الحياة اختارها لنا من أحبنا قبل أن يرانا، وتداولها أهل البيت فرحًا بقدومنا. عشنا به سنواتنا الأولى نقيين من أي إضافة، ثم بدأ العالم يلبسنا ألقابًا فوق ألقاب حتى غطت تلك الهدية تمامًا. والعجيب أننا نرحب بكل لقب جديد بالفرح دون أن نشعر بأن شيئًا عزيزًا ينسحب من التداول في المقابل.

النداء الصادق كمرآة للعلاقة

الفارق بين الندائين أعمق مما يبدو: اللقب يخاطب دورنا في الحياة بينما الاسم يخاطبنا نحن كإنسان. فمن يناديك بـ”يا دكتور” يتعامل مع وظيفتك وخبرتك وما يمكنك تقديمه له، ومن يناديك باسمك المجرد يتعامل مع الإنسان الذي كان موجودًا قبل الشهادات وسيبقى بعد التقاعد. ومن ثم كانت القاعدة التي تصدق في أغلب الأحيان: من يناديك باسمه غالبًا يريدك أنت، ومن يناديك بلقبه غالبًا يريد ما عندك.

وقد فطن «كارنيجي» إلى طرف من هذا حين قال إن اسم الإنسان أعذب صوت تسمعه أذنه. لكن النبي صلى الله عليه وسلم سبق إلى جوهر المسألة عمليًّا؛ كان يدعو أصحابه بأحب أسمائهم وكُناها حتى الطفل الصغير نال نصيبه: «يا أبا عمير ما فعل النغير». نداء واحد لطفل بقي في ذاكرة الأمة أربعة عشر قرنًا لأن من يُحسن نداءك يلمس فيك شيئًا أعمق من مسمعك.

وهنا مفارقة اجتماعية تستحق التأمل: كلما صعد الإنسان في السلم قلّ عدد الذين ينادونه باسمه. يبدأ حياته والجميع يعرفه باسمه الأول ثم مع كل ترقية يتقاعد صوت من الأصوات التي كانت تناديه به، حتى يبلغ قمة لا يصله فيها إلا المنصب. والذين يشكون وحشة المناصب العالية إنما يشكون في العمق شيئًا محددًا: غياب الأصوات التي كانت تناديهم مجردين. فالقمة لا تكون موحشة لقلة الناس حولها، تكون موحشة لأن كل من حولها يخاطب الكرسي.

وللاسم المجرد مواطن يعود فيها رغم كل الألقاب. في بيت أمك ما زلت تُنادى باسمك الأول مهما علا شأنك خارج الباب، وفي سرير المستشفى ينحف اللقب ويناديك الممرض باسمك فتتذكر فجأةً أنك إنسان قبل كل شيء. وفي الصلاة عليك آخر العمر سيُدعى لك باسمك: فلان بن فلان بلا معالي ولا سعادة ولا دكتور. يبدأ الإنسان في هذه الدنيا اسمًا وينتهي منها اسمًا وما بين البدايتين ألقاب مستعارة نظنها نحن.

فاحفظ القلة الذين ما زالوا ينادونك باسمك فهؤلاء عرفوك قبل أن يعرفك الناس وسيبقون بعد أن ينصرف الناس وهم في الغالب أصدق من حولك لأنهم لا يخاطبون فيك شيئًا يمكن أن يُسحب منه. واسأل نفسك في المقابل: من الذي أناديه أنا باسمه ومن الذي صرت أخاطب فيه منصبه؟ فالنداء مرآة العلاقة من الجهتين. وفي النهاية عش بحيث يبقى اسمك المجرد أجمل ألقابك، فالألقاب تُنتزع وتنتهي صلاحيتها ويرثها غيرك، أما اسمك فهو الوحيد الذي سيدخل معك حيث لا تدخل الألقاب.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *