اليقين الناقص: عندما توهم المعرفة الجزئية الشمولية

تعريف اليقين الناقص وأقسام الجهل
يؤكد الدكتور سعود النداح أن الجهل ليس نوعاً واحداً بل ينقسم إلى قسمين. الأول يدرك جهله فيطرح الأسئلة ويستمع ويبحث، وهو نوع بسيط يمكن علاجه بالفضول. الثاني لا يشعر بأنه جاهل أبداً؛ يرى جزءاً من الصورة ويظن أنه رآها كاملة فيتوقف عن الاستفسار بينما هو بأمس الحاجة إليه.
هذا التوقف يخلق ما يسميه اليقين الناقص: شعور بالاكتفاء لا ينبع من معرفة شاملة ولا من جهل تام. من لا يعرف شيئاً يبقي شهيته للمعرفة مفتوحة، ومن أتقن موضوعاً بعمق يكتشف عادة مدى ما يجهله فيزداد تواضعاً. أما من وقف في منتصف الطريق فقد حصل على ما يكفي ليعتقد أنه على صواب لكنه لم يطلع على حدود هذه الثقة، فيتحول ما عرفه إلى مرآة يقيس بها كل شيء آخر في حياته.
تأثير الثقة الزائفة وانتقاله إلى مجالات أخرى
أخطر ما في هذا اليقين الناقص أنه لا يبقى محصوراً في المجال الذي نشأ فيه؛ بل ينتقل إلى Subjects غير ذات صلة. الشخص الذي أتقن مجالاً واحداً يظن أن العقلية التي حقق بها النجاح ستنجح في أي مكان، فيُصدر أحكاماً في الطب وهو ليس طبيباً، وفي التربية رغم عدم خبرته في التربية، وفي الاقتصاد دون دراسة، وكل ذلك بثقة مستمدة من إتقانه للمجال الأصلي، معتقداً أن الكفاءة صفة تنتقل معه أينما ذهب.
هذا الظاهرة يسميها بعض الباحثين في علم النفس أثر الثقة الزائفة، حيث يخلط العقل بين الكفاءة في موضوع معين والكفاءة في كل موضوع.
العبرة من قصة موسى والخضر وعلامة التواضع
في هذا السياق ترد قصة نبوية عميقة. عندما سُئل موسى عليه السلام من هو أعلم الناس على الأرض، أجاب: أنا. فعنّبه الله على هذا الجواب لأنه لم ينسب العلم إلى مصدره الحقيقي وأرسله ليتعلم من الخضر ليدرك أن مهما بلغ علمه فهناك من يتفوقه في ما لا يعرفه. التأمل في هذا العتاب يوضح أن حتى نبي مرسل أوتي التوراة وكلمه الله مباشرة لم يكن معصوماً من التفكير بأنه أحاط بكل العلم في مجاله الضيق.
لهذا السبب يكون العلماء الراسخون الأكثر تردّداً في الإقرار بالأمور وأكثرهم قولاً «لا أدري»، لأن اتساع علمهم كشف لهم اتساع ما يجهلونه. بينما نصف المتعلمين يكونون أكثر حسمًا وأقل تردداً، إذ أن القليل الذي عرفهم لم يتسع بعد ليظهر لهم حدوده. ويقول القائل إن العلم يبدأ بمعرفة أنك لا تعرف؛ من ظن أنه وصل فقد توقف في الحقيقة عن الطريق الذي كان يفترض أن يوصله.
وأخطر ما قد يصيب الإنسان ليس الجهل المؤقت الذي يعالجه السؤال، بل معرفة قليلة يظن أنها كثيرة فيغلق على نفسه باباً كان يمكن أن يوصله إلى الحقيقة الكاملة لو بقي مفتوحاً. العلامة الفارقة بسيطة: هل يزداد تواضعك مع ازدياد العلم أم يزداد يقينك؟ من يفتح كل جديد أمامه أسئلة أكثر مما يغلق يسير في الاتجاه الصحيح؛ ومن يزيده كل جديد تصلباً في رأيه فقد بنى جداراً حول عقله. ومن أراد أن يسلم من هذا الفخ فليجعل شعاره أن ما يعرفه اليوم هو أقل مما سيعرفه غداً.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



