الأخلاق المدنية: جذورها الفكرية وصلتها بالمواطنة في زمن الهويات المتصارعة

يعود الاهتمام بكتاب الباحث الخنيفر إلى كونه امتداداً لشغف طويل بمفهومي المواطنة والأخلاق الحديثة، وهو شغف بدأ مع كتاب وجيه بعنوان «من الحكيم القديم إلى المواطن الحديث: دراسات في الثقافة الأخلاقية» من إعداد نخبة من أساتذة الفلسفة في فرنسا، نقله إلى العربية وعلق عليه محمد مندور، وصدر عام 1944 عن لجنة التأليف والترجمة والنشر. تبعه كتاب آخر بعنوان «ما المواطنة؟» لدومينيك شنابر وكريستيان باشولييه، بترجمة سونيا محمود نجا، الذي ظهر في نسخته العربية عام 2016، ثم أتى «تاريخ موجز للمواطنية» لديريك هيتر، بترجمة آصف ناصر ومكرم خليل، وصدرت طبعته العربية عام 2007.
لماذا كتاب الخنيفر تحديداً؟
السبب الجوهري وراء اختيار هذا الكتاب أنه يعرض «قصة نشوء الأخلاق المدنية في الحضارة الغربية منذ جذورها اليونانية حتى مطلع القرن العشرين» في 576 صفحة، بالاستناد إلى 645 مصدراً ومرجعاً. ويعتمد منهجية تناسب القارئ الذي لا يجيد التجميع الفكري المضطرب، بل يبحث عن «الرصانة أو الرتابة الأكاديمية» التي تصبح خفيفة الظل إذا تزامنت مع اهتماماته. والكتاب في أصله أطروحة أكاديمية تقدم بها الباحث لنيل درجة الدكتوراه.
لا يدعي هذا العرض أنه يقدم خلاصة وافية للكتاب، فحتى ما دوّنه المؤلف على ظهر الغلاف لا يكفي ليشبع فضول أصحاب «دهشة السؤال وعقل الحرية» في الاطلاع على محتوياته.
المواطنة وفكرة حان وقتها
بما أنه «لا يوجد أعظم من فكرة حان وقتها»، فإن مفهوم «المواطنة» قد آن أوان رسوخه في الوعي الجمعي. فبعد ما عُرف بـ«الربيع العربي» – الذي شكّل من وجهة نظري مؤشراً على تآكل شرعية ما بعد انهيار الدولة العثمانية في قضايا مثل «الاستقلال والتحرر الوطني» – وهو الربيع الذي تكاتفت فيه سبع دول تمتعت باعتراف دولي لتأسيس جامعة الدول العربية عام 1945م، وصولاً إلى استقلال آخر دولة عربية.
كانت شرعية جامعة الدول العربية قائمة على مفهوم الهوية القومية العربية باعتبارها رابطة «فوق الدولة»، وكانت في سياقها التاريخي ملائمة لبناء هوية مشتركة تحت مسمى «الأمة العربية». فالجامعة لم تُنشأ كمؤسسة وظيفية، بل كمؤسسة هوية جامعة. فمن خلال شرعية «الأمة» يمكن تعويض ضعف الدولة آنذاك ومساعدة البقية على الاستقلال السياسي عبر «حق تقرير المصير». وفي سياق الحرب الباردة، تشكل المحور «السعودي، الباكستاني، الأمريكي»، ثم تأسست رابطة العالم الإسلامي عام 1962، وأخيراً اندلعت الحرب الأفغانية بين عامي 1979 و1989.
صراع الهويات الكبرى
كل ما أنشئ، إذاً، له مبرراته السياسية التي تُخاط عليها مسوغاتها الأيديولوجية. والأيديولوجيا – بحسب ما أفهم – هي كل ما يفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان، حتى لو تلبست بلباس العلم كما في النازية، أو بلباس الدين كما في الإسلام السياسي. وبعد سقوط جدار برلين، بدأ صراع الهويات الكبرى التي استُثمرت لمواجهة الشيوعية، لنشهد حادثة 11 سبتمبر 2001، التي كانت بمثابة إرهاص لتفسخ هذه الهويات تحت ضغوط العولمة. وعلى أنقاضها برزت «الهويات الوطنية، بالإضافة إلى الهويات الطائفية والقبلية والمذهبية». وقد انعكس هذا كله على العالم العربي ليظهر جلياً فيما سمي «الربيع العربي عام 2011».
ورغم كراهية البعض لمحمد حسنين هيكل، فإن احترام تاريخه يلزمنا بالإشارة إلى محاضرته الاستباقية حول ما قبل الربيع العربي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2002، بعنوان «المستقبل.. الآن». حذر فيها من أن «الشرعية الثورية في مصر قد استنفدت أغراضها وتفسخت بمرور الوقت، خاصة بعد تحولها إلى محاولة لتثبيت دعائم شرعية دستورية شكلية لم تعد تعبر عن آمال الشعب، في تجاهل تام للتحديات والاعتماد على الإرث القديم دون مشروع وطني متجدد، وكل هذا يضع البلاد في مأزق خطير».
ولهذا، فإن المواطنة كنظرية يمكن الرجوع فيها إلى الكتب المذكورة وغيرها. أما النماذج الشخصية للمواطنة، فيمكن الإشارة إلى قائمة طويلة مثل: أحمد الربعي، غازي القصيبي، جورج قرم، محمد الشرفي، وغيرهم. وسأضيف اسمين يمثلان سلوك المواطنة من خارج المركز التنفيذي الرفيع في جهاز الدولة، ممن لم يلعبوا دور «المثقف الوزير»، بل عملوا بإخلاص وطني من أجل «الإصلاح من موقع الأقلية». وفي هذا السياق يكتمل نموذج المثقف الذي يواجه التحديات مكشوف الصدر، وأقصد هنا المواطن توفيق السيف والمواطن أحمد عصيد.
تجربتهما تثير الاهتمام وتؤكد أن النضال في سبيل حقوق المواطنة في «ظل الدولة الحديثة» هو الأكرم والأصدق والأنبل مهما واجه من صعوبات وتحديات، لأنه يحمل «شرف المحاولة» في إفهام محتقريها والطاعنين في مواطنتها من الذين عجزوا عن الارتقاء إلى مستوى مفهوم «المواطنة»، الذي لا يفرق في الحقوق بين مواطن وآخر. ولهذا يحترمها حتى أعداؤها العقلاء، أما الحمقى فهم وبال على الصديق قبل العدو.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



