الرئيسيةعربي و عالميالأمعاء تفكر: ما الذي كشفه العلم...
عربي و عالمي

الأمعاء تفكر: ما الذي كشفه العلم عن دماغها الثاني؟

05/07/2026 07:00

لطالما كان الاعتقاد السائد يقتصر على أن الجهاز الهضمي يقتصر دوره على تكسُّر الطعام واستخلاص المغذيات، بينما يُعَلَّم أن الدماغ هو المسؤول الوحيد عن تنظيم المشاعر والسلوكيات والعمليات الفكرية. غير أن الأبحاث الحديثة أظهرت أن العلاقة بين هذين العضوين أكثر تعقيداً، فالأمعاء تتبادل مع الدماغ إشارات عصبية وكيميائية تؤثر في وظائف كل منهما.

ما يتجاوز عملية الهضم

أظهرت الدراسات خلال العقود الأخيرة أن الأمعاء لا تقتصر على مهمة الهضم والامتصاص، بل تحتوى على شبكة عصبية مستقلة تُعرف بالجهاز العصبي المعوي، إضافة إلى منظومة مناعية واسعة النطاق، وعدد كبير من الخلايا الصماء، وتريليونات الكائنات الدقيقة التي تعيش داخلها بصورة طبيعية.

يُعد الجهاز الهضمي أكبر مخزن للخلايا المناعية في الجسم، حيث تُشكِّل هذه الخلايا خط الدفاع الأول أمام الميكروبات والمواد الضارة التي قد تدخل مع الطعام والشراب. كما تُسهم في التمييز بين الكائنات الدقيقة المفيدة والضارة وتفعيل الاستجابات المناعية الملائمة للحفاظ على سلامة الجسم.

تنتشر في بطانة الأمعاء خلايا صماء تُفرز مجموعة واسعة من الهرمونات المنظمة لعملية الهضم والشهية ومستوى سكر الدم، من أبرزها GLP-1 وGIP وCCK وغيرها، وتؤثر هذه الهرمونات في وظائف متعددة داخل الجسم لا تقتصر على القناة الهضمية.

يمتاز السطح الداخلي للأمعاء باتساعه الفائق بفضل الزغابات والزغيبات المعوية، حيث يصل إلى عشرات الأمتار المربعة، ما يضمن كفاءة عالية في امتصاص العناصر الغذائية، وهو ما يتجاوز التقديرات القديمة التي شبهته بملعب رياضي كامل.

تُدار الكثير من وظائف الجهاز الهضمي عن طريق الجهاز العصبي المعوي، الذي يضم ما بين مئتي ومـــ600 مليون خلية عصبية تمتد على طول القناة من المريء إلى المستقيم. يتمكن هذا الجهاز من تنظيم حركة الأمعاء وإفرازاتها وتدفق الدم إليها بصورة شبه مستقلة، مع بقاءه على اتصال دائم بالدماغ عبر شبكة معقدة من الأعصاب والإشارات الكيميائية.

ومن هنا سُمِّي هذا الجهاز «الدماغ الثاني» من قبل عالم الأعصاب الأمريكي مايكل غيرشون، إشارة إلى تعقيده العصبي وقدرته على تنظيم العديد من وظائف الجهاز الهضمي، دون الإيحاء بأنه يفكر أو يحل محل الدماغ المركزي.

آلية التواصل بين الأمعاء والدماغ

يتجسد هذا التواصل عبر محور الدماغ–الأمعاء، وهو نظام معقد يعتمد على إشارات عصبية، هرمونية، ومناعية، فضلاً عن نواتج الميكروبات المعوية.

يُعَدُّ العصب المبهم أحد أهم القنوات في هذه العملية، إذ ينقل الإشارات في الاتجاهين بين الدماغ والأمعاء، إلى جانب مساهمة الجهاز العصبي الذاتي والهرمونات والجزيئات المناعية في تنظيم العلاقة.

تحتوي الأمعاء على أغلب مخزون السيروتونين في الجسم، حيث تُنتج نحو 90‑95٪ من إجمالي هذا الناقل العصبي. إلا أن هذا السيروتونين لا يعبر الحاجز الدموي الدماغي، لذا يقتصر دوره على تنظيم حركة الأمعاء وإفرازاتها داخل القناة الهضمية، بينما ينتج الدماغ سيروتونينه الخاص لتلبية احتياجاته.

تشير الأبحاث إلى أن التواصل لا يقتصر على الأعصاب فحسب، بل يشمل الهرمونات، الخلايا المناعية، والمواد التي تُنتجها ميكروبات الأمعاء، مما يفسر التأثير المتبادل بين الحالة النفسية ووظائف الجهاز الهضمي، دون أن يعني ذلك أن الأمعاء تتحكم في الدماغ أو تحل محله.

الميكروبيوتا: المجتمع المجهري داخل الأمعاء

لم تتوقف الاكتشافات عند الجهاز العصبي المعوي؛ فقد بيّنت الأبحاث وجود مجتمع هائل من الكائنات الدقيقة يعيش داخل القناة الهضمية، يُعرف بالميكروبيوتا المعوية. يضم هذا المجتمع أنواعاً متعددة من البكتيريا، الفيروسات، الفطريات، وغيرها من الكائنات الدقيقة التي تستقر في الأمعاء منذ المراحل الأولى من الحياة، وتتغير تركيبتها مع تقدم العمر، والنظام الغذائي، ونمط الحياة.

تتركز معظم هذه الكائنات في الأمعاء الغليظة، حيث البيئة منخفضة الأكسجين تُعطيها دوراً مهماً في الحفاظ على صحة الجهاز الهضمي. تساعد الميكروبيوتا في هضم بعض المكونات التي لا يستطيع الجسم تحلُّها بمفرده، وتنتج أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة وبعض الفيتامينات، كما تدعم الجهاز المناعي وتحمي الأمعاء من استيطان الميكروبات الممرضة.

يتباين تكوين الميكروبيوتا من شخص لآخر، متأثراً بعوامل متعددة مثل نوع الولادة، الرضاعة الطبيعية، العادات الغذائية، العمر، النشاط البدني، واستخدام المضادات الحيوية، إضافة إلى عوامل وراثية وبيئية.

لذلك يُنظر إلى الميكروبيوتا كعنصر أساسي في صحة الإنسان، نظراً لتأثيرها الواسع في تنظيم وظائف حيوية متعددة، وليس لأنها تُعد عضواً تشريحياً مستقلاً. وقد وصفت بعض الدراسات هذه الكائنات بـ«العضو المنسي» للدلالة على أهميتها البيولوجية، وليس على كونها عضواً تشريحياً حقيقياً.

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الميكروبيوتا تتواصل مع الجسم عبر إنتاج مركبات كيميائية وأيضية تؤثر في الجهاز المناعي، وظائف الأمعاء، ومحور الدماغ–الأمعاء، مما جعلها محوراً رئيسياً في الكثير من الدراسات الطبية الحديثة.

تداعيات اختلال توازن الميكروبيوتا

يحافظ الجسم في الظروف الطبيعية على توازن دقيق بين الأنواع المختلفة من الكائنات الدقيقة داخل الأمعاء، ويُعد هذا التوازن أحد الأعمدة الأساسية لصحة الجهاز الهضمي ووظائفه.

عند حدوث اختلال في هذا التوازن، وهو ما يُعرف علمياً باختلال الميكروبيوتا المعوية، قد تنخفض أعداد البكتيريا المفيدة أو تُظهر بعض الأنواع نمواً غير طبيعي، ما قد يؤثر على البيئة الداخلية للأمعاء ووظائفها.

تشير الدراسات إلى أن هذا الاختلال قد يرتبط بزيادة نفاذية الغشاء المعوي، اضطراب الاستجابة المناعية، وتأثير على الإشارات العصبية والكيميائية المتبادلة عبر محور الدماغ–الأمعاء. وقد لوحظ هذا التغيير لدى بعض المرضى الذين يعانون من اضطرابات هضمية مثل متلازمة القولون العصبي، إلا أن العلاقة لا تزال قيد البحث ولم يُثبت أن الاختلال هو السبب المباشر لهذه الحالات.

العوامل المؤدية إلى اختلال التوازن

يتأثر توازن الميكروبيوتا بعدة عوامل، أبرزها النظام الغذائي، الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية، بعض الأمراض، التقدم في السن، والضغوط النفسية المزمنة، إلى جانب نمط الحياة العام.

الاستخدام غير المبرر للمضادات الحيوية قد يقتل جزءاً من البكتيريا النافعة، ما يتيح المجال لنمو أنواع أخرى بصورة مفرطة. كما أن الأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة المصنعة، السكريات، والدهون المشبعة مع قلة الألياف تُضعف تنوع الميكروبيوتا وتوازنها.

على الجانب الآخر، يرتبط النظام المتوازن الغني بالخضروات، الفواكه، البقوليات، والحبوب الكاملة بزيادة تنوع الميكروبيوتا، وهو ما يُظهر تحسيناً في مؤشرات صحية متعددة وقد ينعكس إيجابياً على وظائف الجهاز الهضمي وغيرها من وظائف الجسم.

رغم التقدم الكبير في فهم العلاقة بين الأمعاء والدماغ، فإن العديد من تفاصيل هذه العلاقة لا تزال تحت الدراسة، لذا ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات التي تنسب إلى الميكروبيوتا دوراً مباشراً في علاج أو التسبب في جميع الأمراض.

في الختام، لم تعد الأمعاء تُنظر إليها على أنها مجرد عضو مسؤول عن الهضم، بل تُعد جزءاً من منظومة متكاملة تتداخل فيها الوظائف العصبية، المناعية، الهرمونية، والاستقلابية. ومع استمرار الأبحاث، تتزايد الأدلة على أهمية صحة الأمعاء في الحفاظ على توازن العديد من وظائف الجسم، مع التأكيد على أن الكثير من آليات هذا التأثير لا يزال قيد الدراسة العلمية.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *