كيف تنظر إلى الألم؟ مرآة تكشف جوهر شخصيتك

قد تبدو العبارة في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل في طياتها تساؤلاً وجودياً عميقاً. فالمشكلة ليست في أن الإنسان يتعرض للألم، إذ لا أحد بمأمن منه، بل تكمن في كيفية تلقيه لمعاناته، والمعنى الذي يسنده إليها، والطريقة التي يسمح بها لهذه التجربة بأن تشكل نظرته للحياة من جديد. فالألم ليس مجرد حدث عابر، بل هو اختبار يكشف طبيعة علاقتنا بالوجود بأسره.
الألم في عصر الرفاهية: خلل يجب إصلاحه
في عالم اليوم، صار الألم يُعامل في الغالب على أنه عطل ينبغي معالجته. فالتطورات الطبية، وصناعة الدواء، وثقافة الراحة، وحتى بعض تيارات علم النفس المعاصر، كلها تنطلق من فرضية واحدة: أن المعاناة حالة شاذة يجب التخلص منها في أسرع وقت. وأصبح السؤال السائد ليس ماذا يمكن أن نستفيد من الألم، بل كيف ننتهي منه بأقل جهد ممكن.
غير أن هذه النظرة، رغم أهميتها العملية، تختزل جانبا كبيرا من الخبرة الإنسانية. فليس كل ألم عدوا يستحق المحو، وليست كل معاناة عبثا يجب التخلص منه. فهناك آلام لا يمكن تجاوزها إلا بخوض غمارها، وتجارب لا تنضج إلا تحت وطأة المحنة.
إرنست يونغر: الألم كواقع معاش
كان الكاتب الألماني إرنست يونغر يدرك هذه الحقيقة جيدا. فقد خاض الحرب العالمية الأولى بكل قسوتها، وأصيب فيها مرارا، وشاهد الموت عن كثب حتى صار جزءا من ذاكرته اليومية. ولم تكن كتاباته مجرد تأمل نظري بارد، بل انبثقت من تجربة شخصية عميقة. لذلك لم يتحدث عن الألم باعتباره فكرة، بل بصفته واقعا عاشه بكل تفاصيله.
في كتابه «عن الألم»، الصادر عام 1934، لا يمجد يونغر المعاناة ولا يدعو إلى البحث عنها، كما ظن بعض منتقديه، بل يرى أن قدرة الإنسان على مواجهة الألم دون أن يفقد إنسانيته هي إحدى العلامات الفارقة في تكوين الشخصية. فالألم، في نظره، ليس نقيضا للحياة، بل أحد أبوابها الكبرى.
كان يعتقد أن المجتمعات الحديثة، عندما جعلت الأمن والراحة هدفها الأسمى، فقدت شيئا أساسيا من قوتها الداخلية. فالإنسان الذي يهرب من كل ما يؤلمه ينتهي إلى فقدان القدرة على مواجهة الحياة ذاتها. أما الشخصية القوية، فهي ليست التي لا تشعر بالألم، بل التي تستطيع النظر إليه دون انهيار، وتحويل المعاناة إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والجرح إلى بصيرة.
نيتشه والرواقيون: الألم شرط للاكتمال
ولم يكن يونغر وحيدا في هذا الفهم. فالفكر الإنساني، عبر ثقافاته المختلفة، عاد مرارا إلى الفكرة نفسها، وإن عبر عنها بلغات متعددة.
رأى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أن الألم ليس عارضا على الحياة، بل أحد شروط اكتمالها. فالإنسان لا يكتشف طاقاته الحقيقية في أوقات الراحة، بل عندما يواجه الشدائد. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: «ما لا يقتلك يجعلك أقوى.» لكنها لم تكن دعوة إلى تمجيد المعاناة بقدر ما كانت تأكيدا أن الشخصية لا تُصنع في أوقات اليسر، وإنما في لحظات الامتحان.
أما الرواقيون، مثل سينيكا وإبيكتيتوس وماركوس أوريليوس، فقد نقلوا مركز الثقل من الحدث إلى النفس. فما يؤذي الإنسان، في نظرهم، ليس الألم ذاته، وإنما الحكم الذي يصدره عليه. فالأحداث تقع خارج إرادتنا، أما طريقة استقبالها فهي التي تحدد مقدار معاناتنا. ولهذا كان الحكيم الرواقي يسعى إلى السيطرة على نفسه، لا على العالم، وإلى تهذيب نظرته للأشياء قبل محاولة تغيير الأشياء نفسها.
سيمون فايل وفيكتور فرانكل: معنى الألم
وأضافت الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل بعدا أكثر رهافة. فقد ميزت بين الألم العادي، وبين ما سمته «العذاب»، وهو ذلك الألم الذي يجرد الإنسان من أوهامه ويكسر غروره، حتى يصبح أكثر انفتاحا على حقيقة تتجاوز ذاته. إنها لحظة يشعر فيها الإنسان بأنه فقد كل شيء، لكنه يكتشف، في الوقت نفسه، ما لا يمكن فقدانه.
ومن زاوية أخرى، وصل الطبيب النفسي فيكتور فرانكل إلى نتيجة مشابهة. فقد رأى أن الإنسان يستطيع احتمال أقسى الظروف إذا وجد معنى لمعاناته. فالألم الذي يخلو من المعنى يتحول إلى عبء لا يطاق، أما الألم الذي يصبح جزءا من رسالة أو غاية، فإنه يتحول إلى مصدر للقوة الداخلية.
ورغم اختلاف هذه التقاليد الفكرية، فإنها تلتقي عند حقيقة واحدة: أن علاقة الإنسان بالألم ليست مسألة نفسية فحسب، بل هي تعبير عن نظرته إلى الحياة بأكملها. فهناك من يرى في الألم نهاية الطريق، وهناك من يجعله بداية لفهم أعمق للذات. وهناك من يهرب منه بكل ما أوتي من قوة، وهناك من يواجهه بوصفه معلما قاسيا، لكنه صادق.
ولذلك، فإن سؤال يونغر لا يتعلق بالألم وحده، بل بالهوية نفسها. كيف تواجه خساراتك؟ ماذا تفعل عندما تنهار توقعاتك؟ كيف تتعامل مع المرض، والفشل، والحرمان، والشيخوخة، والموت؟ إن إجابات هذه الأسئلة تكشف عن الإنسان أكثر مما تكشف عنه سنوات النجاح والطمأنينة.
ليست البطولة في ألا نتألم، فذلك مستحيل، وليست الحكمة في البحث عن المعاناة، فذلك وهم آخر. وإنما تكمن الإنسانية الحقة في أن نمنح آلامنا معنى، وأن نسمح لها بأن تنضج وعينا بدلا من أن تحطم أرواحنا. فالألم، حين يُفهم على هذا النحو، لا يعود مجرد تجربة قاسية، بل يصبح مرآة يرى الإنسان فيها صورته الحقيقية، ويكتشف من خلالها مقدار ما يملكه من صبر، وحكمة، وقدرة على الاستمرار.
وهكذا، يبقى السؤال الذي طرحه يونغر مفتوحا أمام كل إنسان: كيف تنظر إلى ما يؤلمك؟ فالإجابة عن هذا السؤال لا تكشف فقط كيف تعيش، بل تكشف أيضا من تكون.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



