تحليل نقدي لشعار “نحن لا نكره الناس نحن نحمي الحضارة” وتبعاته الأخلاقي والسياسي

تجددت مؤخراً المناقشات حول العبارة التي تُستَخدم كقواعد مرجعية في بعض الخطابات العامة: «نحن لا نكره الناس، نحن نحمي الحضارة». لا تكمن الإشكالية في وجود الشعار ذاته، بل في الطريقة التي يُستَغل بها. فالمفهوم المتداول لا يستند إلى معيار علمي واضح ولا يُقدّم تقييماً أخلاقياً متوازناً؛ بل يُستَخدم كقضية مُسبقة تُحوِّل أي رحمة تُذكر إلى «استثمار قاتل»، وأية سياسة إنسانية إلى «تدمير». بهذا الأسلوب لا يُناقش الواقع، بل يُحوِّل الوقائع إلى اتهام.
الخلط بين التعاطف والتخطيط
تستند فكرة الشعار إلى قفزة منطقية مغلوطة تمزج بين التعاطف وغياب التخطيط. قد يتمتع الفرد بعاطفة صادقة، مع ذلك يضع قيوداً إدارية وتقييمية لضمان الفاعلية. وفي المقابل، قد تتبنى دولة نهجاً «واقعيًا» خالياً من العاطفة، لكنها تتحمل ثمنًا أخلاقيًا واقتصاديًا مرتفعًا نتيجة لانعدام المعايير التي قد تُفضي إلى عنف وفساد وفشل مؤسسي. لذا فإن النتيجة لا تُحدَّد بالتعاطف وحده، بل بتكوين النظام: التمويل، الإطار القانوني، الإجراءات، التوافق الاجتماعي، وشفافية التنفيذ. اختزال العوامل في متغير واحد يُفقدنا أدوات التحليل الضرورية.
إطار انتقائي يحجب العيوب الحقيقية
تُستَخدم العبارة لتطبيق ما يُعرف بـ«الإطار الانتقائي» حيث يتم إقصاء ما لا يخدم الرؤية. بدلاً من السؤال عن جودة سياسات الهجرة أو الرعاية أو الاندماج، يُلقَى بالذنب على «التعاطف» نفسه. هذا النهج يُعفي المتحدث من الخوض في تفاصيل السياسة: ما هي ميزاتها؟ ما أثرها على المدى القصير والمتوسط والطويل؟ ما البدائل الممكنة؟ وكيف نمنع استغلال الحاجة الإنسانية؟ إن تحويل التركيز من نقد السياسات إلى تشويه المشاعر يُظهر جدلية لا بحثًا.
ربط الأخلاق بالتمييز ضد فئات محددة
في الخطاب المرتبط بهذه العبارة، تُستَغل الأخلاق لتبرير العداء لهويات معينة. يُستَشهد بالمهاجرين، والمسلمين، والسود، وغيرهم كأنهم تهديد حضاري، متجاوزين فكرة أن هؤلاء أفراد داخل إطار قانوني يحتاجون إلى سياسات اندماج. هذا التحويل لا يُعيد تعريف النقاش من «كيفية تنظيم العيش المشترك؟» إلى «من نُبعد أو نُقمع؟». الانتقال من سؤال الإدارة إلى سؤال الإقصاء يُعد أكبر انحراف، إذ يُستَند إلى شعار «نحن لا نكره الناس، نحن نحمي الحضارة» لتبرير التمييز.
أصول الفكرة وتأثير خلفية الكاتب
تُثار تساؤلات حول أصل هذا المفهوم، فكل فكرة اجتماعية تحمل بصمات صاحبها ومصالحه. يُعزى المصطلح إلى كتابات الدكتور جاد سعد، كاتب كندي من أصل يهودي، عاش فترة شبابه في لبنان قبل هجرته إلى كندا. معرفة خلفيته تُثير حذر القارئ وتدفعه للتفكير في دوافعه: ما الذي يجعله يرى التعاطف كخطر؟ ولماذا تُستَهدَف الفئات الضعيفة دائمًا في استنتاجاته؟ الكشف عن الخلفية لا يبرر الهجوم، لكنه يسلط الضوء على الزاوية التي ينطلق منها الباحث.
حتى وإن افترضنا أن التعاطف غير المقنن قد يسبب أضرارًا في بعض السياقات، فإن ذلك لا يُثبت وجود ما يُسمى «التعاطف الانتحاري». الضرر لا يعني أن الرحمة مرض، بل يوضح الحاجة إلى توازن بين الرحمة والعدالة والقدرات المؤسسية. التوازن هو جوهر الأخلاق السياسية: أن نُظهر رحمة دون إهمال، وأن نضع شروطًا دون الانحدار إلى قسوة آلية. عندما يتحول مفهوم «التعاطف الانتحاري» إلى شعار سياسي يستهدف جماعات معينة، يتجاوز التحذير ليصبح وسيلة تعبئة.
في المجتمعات المشحونة بالتوتر، تُستَغل أفكار كهذه لتصوير «عدو أخلاقي». بدلاً من معالجة التعقيدات المؤسسية –الوظائف، الاقتصاد، الاندماج، الفساد، وقرارات الدولة– يُقدَّم العدو كـ«من يشعر كثيرًا». وعندما يُصوَّر العدو على أنه مشاعر، يصبح من السهل هزيمته بتمثيل أي انتقاد للرحمة كرفض للإنسانية. تنشأ فخاخ عقلية: من يدعو إلى الإدارة يُتهم بنقص الرحمة؛ ومن يدعو إلى الرحمة يُتهم بالغباء أو الخيانة. هذا الجدل لا يؤدي إلى حلول.
تُختتم المسألة بسؤال جوهري: عندما تُستبدل محاسبة السياسات بمحاكمة النوايا، من سيقيم الأفعال؟ هل سنقبل أن تُقيد أخلاقياتنا –التي من المفترض أن توازن بين العدالة والإنسانية– بشعار يُختزل الواقع ويحمّل الفئات الضعيفة تبعات سوء الإدارة والقلق السياسي؟ إن هذا التساؤل يجب أن يطرأ على عقول كل مواطن في الدول الغربية، ولا سيما في الولايات المتحدة، لتقييم من يتحكم في الخطاب العام.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



