الوالد غائب لكنه يبقى دليلًا للحياة

معاني الغياب والدروس المستفادة
في يوم الأب هذا العام، الذي تزامن مع ذكرى رحيل والدي، استحضرتُ شريطًا من الذكريات التي تعود إلى سنوات ماضية. لم أسعَ لاستعادة لحظة الفقد بقدر ما أردت تأمل الأثر الذي تركه غيابه في داخلي. فالزمن لا يعيد من فارقنا، لكنه مع مرور الأيام يكشف ما لم نكن نلاحظه بينما كانوا بيننا.
بعد فقدان الوالد، بدأتُ ألحظ تفاصيل لم أكن أنتبه لها من قبل. عندما أواجه موقفًا عائليًا معقدًا، يطرأ على ذهني سؤال واحد: كيف كان سيتصرف أبي؟ وعند تحقيق هدف كنت أسعى إليه، أحس أن أول شخص كنت أتمنى أن يشاركني فرحي لم يعد موجودًا. أدركت أن بعض الآباء يرحلون بأجسادهم لكنهم يواصلون توجيه أبنائهم عبر القيم والمبادئ التي غرسوها فيهم.
قيمة اللحظات البسيطة مع الآباء
ومع مرور السنوات، تغير فهمي لمعنى الأبوة. لم يعد الأب مجرد من يعمل ويكسب وينفق؛ بل هو من يحمل هموم أسرته بصمت، ويؤجل راحته من أجل راحتهم، ويمنح أبناءه الثقة قبل المال، والاستقرار قبل أي شيء آخر. وغالبًا ما لا يدرك الأبناء حجم هذا العطاء إلا عندما يواجهون الحياة من دونه.
ولهذا فإن يوم الأب ليس مجرد مناسبة؛ بل هو فرصة لإعادة تقييم علاقتنا بآبائنا. هناك آباء ما زالوا يعيشون بين أبنائهم، لكنهم ينتظرون زيارة قصيرة لا تتجاوز ساعة، أو مكالمة هاتفية تطمئنهم إلى سلامة أولادهم، أو جلسة عائلية يستمعون فيها إلى أحاديث عن التعب الذي بذلوه من أجلهم. هذه اللحظات البسيطة قد تمثل أعظم ما يُقدَّم لهم، لأنها تؤكد أن مكانتهم ما زالت محفوظة في قلوب من يحبونهم.
استمرار البر بعد الرحيل
أما من فقد أباه، فيدرك أن البر لا يتوقف عند الفراق. فباب الدعاء يظل مفتوحًا، والصدقة مستمرة، وصلة الرحم التي كان يحبها تستمر، وكل سلوك حسن تعلمناه منه يُعتبر صورة من صور الوفاء له. ومن هنا يتحول الغياب من ألم صرف إلى مسؤولية؛ علينا أن نحافظ على أثره ونبقي سيرته الطيبة حاضرة في حياتنا.
وأنا، مع كل عام يمر، يزداد يقيني أن والدي لم يترك لي مجرد ذكرى، بل قدم منهجًا أعود إليه كلما اشتبكت عليّ الأمور. وأعتقد أن هذا هو أعمق ميراث يمكن للآباء أن يتركوه لأبنائهم.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



