فجوة المعرفة والتطبيق: لماذا يعرف جيلنا كل شيء ولا يفعل شيئاً؟

في عصر تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، يبرز تناقض صارخ: لم يشهد التاريخ جيلاً أكثر معرفة بالصحة والرياضة والعلاقات، وفي الوقت نفسه لم يكن هناك جيل أقل تطبيقاً لهذه المعرفة. الدكتور سعود النداح يسلط الضوء في مقاله على هذه المفارقة التي تعصف بالمجتمع الحديث.
المعرفة العالية والتطبيق المتدني
يشير النداح إلى أن الجيل الحالي هو الأكثر اطلاعاً على فوائد النوم المبكر، لكنه في الوقت نفسه الأقل نوماً. ويشاهد محتوى لا ينتهي عن الرياضة، لكنه الأكثر جلوساً. نقرأ عن التركيز في أجهزة صُممت خصيصاً لتشتيت انتباهنا، ونتداول مقاطع عن بر الوالدين بينما هواتفنا أقرب إلينا من مجالسهم. المعرفة بلغت أعلى مستوياتها عبر التاريخ، بينما التطبيق هو في أدنى مستوياته.
الوهم المريح: المعرفة كبديل عن الإنجاز
يكشف النداح عن حيلة نفسية مريحة: المعرفة تمنح شعوراً بالإنجاز دون دفع ثمنه الفعلي. فمشاهدة مقطع عن الانضباط تترك في النفس ارتياحاً خفياً كأن شيئاً قد أُنجز، بينما لا يتحرك أي شيء في الواقع. العقل يكافئ صاحبه على النية كما لو كانت فعلاً، فيشبع من الوهم ويفقد دافع الحقيقة. وهكذا يتحول الاستهلاك المعرفي إلى نوع من الترفيه، حيث نتابع محتوى التطوير كما نتابع المسلسلات، مع فارق أن المسلسل لا يوهمنا بأننا تحسنا بعد مشاهدته.
المعرفة أداة تأجيل لا تقدم
والأكثر إثارة للقلق، كما يوضح الكاتب، أن المعرفة أصبحت لدى البعض أداة للتأجيل بدلاً من كونها أداة للتقدم. فالراغب في بدء مشروع يقرر أولاً أن “يقرأ أكثر عن الموضوع”، والذي يريد إنقاص وزنه يقضي شهراً يوازن بين الأنظمة الغذائية، والذي ينوي الادخار يتنقل بين محتوى المؤثرين الماليين بينما حسابه كما هو. ظاهر الأمر اجتهاد، وباطنه هروب مهذب؛ فمشاهدة فيديو إضافي عن الإنتاجية هي أرقى طريقة لتأجيل الإنتاج نفسه. جمع الأدوات متعة لا تلزم صاحبها ببناء شيء.
فجوة المعرفة والفعل: من الأفراد إلى المؤسسات
ويذكر النداح أن علماء الإدارة يسمون هذه الظاهرة “فجوة المعرفة والفعل”، وقد حيرتهم في المؤسسات قبل الأفراد. شركات تعرف مشكلاتها بدقة وتدفع للمستشارين ليكتبوا لها ما تعرفه أصلاً، ثم تضع التقارير في الأدراج وتواصل ما كانت عليه. المعرفة هي أسهل مراحل التغيير جميعاً، لأنها الوحيدة التي لا تطلب منك التخلي عن راحتك، وكل ما بعدها يطلب ذلك.
ويستشهد الكاتب بحكمة السلف التي لخصت المسألة في عبارة واحدة: “العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل”. ويتأمل كلمة “ارتحل”، مشيراً إلى أنهم لم يقولوا يبقى معلومة محفوظة بلا نفع، بل قالوا يغادر صاحبه كلياً، لأن المعرفة التي لا تُستعمل تفقد حتى صفتها معرفةً وتصبح مجرد كلام مخزّن. ولهذا كانوا يقيسون علم الرجل بسلوكه لا بمحفوظه، وكان الواحد منهم يتعلم الآيات العشر فلا يجاوزهن حتى يعمل بما فيهن. كانت المعرفة عندهم دفعات صغيرة تُسدد فوراً، وصارت عندنا مخزوناً راكداً نفاخر بحجمه.
المخرج: لا معلومة جديدة قبل تطبيق سابقة
ويخلص النداح إلى أن المخرج من هذه الفجوة لا يكون بمزيد من المعرفة قطعاً، فهذا كمن يعالج التخمة بوجبة إضافية. المخرج يكون بقلب المعادلة: لا معلومة جديدة قبل تطبيق واحدة سابقة. “اقرأ أقل واعمل بما قرأت”، ويحول كل محتوى يعجبك إلى سؤال واحد: ما الذي سيتغير في يومي غداً بسببه؟ فإن لم تجد جواباً فأنت تترفه لا تتعلم، والترفيه مشروع ما دام صادقاً مع نفسه.
ويختم الكاتب بأن الفجوة بين ما نعرفه وما نفعله هي المسافة الحقيقية بين ما نحن عليه وما كان يمكن أن نكونه. الجاهل قديماً كان يمشي معذوراً بجهله، أما نحن فنقف كل مساء أمام مرايا تعرف كل شيء ولا تفعل شيئاً. لم يعد السؤال اليوم: ماذا تعرف؟ صار السؤال الذي يستحق الإجابة: ماذا فعلتَ بما تعرف؟
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



