الكوميديا ليست جريمة: حين تتحول المرآة الساخرة إلى ساحة اتهام

منذ نشأة المسرح الإغريقي، مروراً بألعاب المهرجين في بلاط الملوك، وصولاً إلى الأعمال المسرحية المعاصرة وعروض الكوميديا الارتجالية، ظلت الكوميديا فناً قائماً على المفارقة. وظيفتها الأساسية هي التقاط التفاصيل اليومية للحياة والمبالغة فيها قليلاً، ثم إعادة تقديمها للمجتمع في قالب مرآة ساخرة. يضحك الناس لأنهم يتعرفون على أنفسهم ومجتمعاتهم من زاوية مختلفة وخارج الصورة النمطية.
اللهجات المحلية والتنوع: مادة خالدة للضحك
لذلك لم يكن غريباً أن تصبح اللهجات والعادات المحلية والاختلافات بين المدن موضوعاً أساسياً للكوميديا في كل ثقافات العالم. البريطانيون يتندرون على لهجات ليفربول وإسكتلندا، والأمريكيون يسخرون من أنماط الحياة في الجنوب أو من سكان نيويورك، والإيطاليون والفرنسيون لديهم إرث طويل من النكات المتبادلة بين المناطق. في كل هذه الثقافات، لم تُفهم السخرية على أنها سبب لاحتقار تلك المجتمعات أو إهانتها، بل اعتُبرت جزءاً من الثقافة الشعبية التي تسمح للمجتمع بأن يضحك على تنوعه وتفاصيله الدقيقة.
الفكاهة أداة تقارب لا تنفير
في علم نفس الفكاهة، تُعد أنماط الفكاهة من هذا النوع وسيلة مناسبة لتعزيز العلاقات الاجتماعية، وبناء الألفة، وإزالة الاحتقان بين فئات المجتمع، وخلق أجواء إيجابية. وتأكيداً لهذه الفكرة تأتي الآراء والدراسات حول مسلسل «جيري ساينفلد» الشهير. من بينها أطروحة قُدمت في جامعة إيموري أكدت أن المسلسل ساهم بشكل غير مسبوق في «إزالة الخوف من تناول الهوية اليهودية في الإعلام الأمريكي»، وذلك رغم أن العمل سخر من الطقوس والثقافة ورجال الدين والوصايا وفكرة معاداة السامية. لقد سخر من كل شيء يهودي.
بين الفكاهة والجارح: أين يقع الخط الأحمر؟
إذاً لماذا نهدر قوة الكوميديا الناعمة الثرية لمجرد أننا لم نفهمها؟ علينا أن نميز بين ما هو فكاهي وما هو جارح. الكوميديا ليست في موضوعها بل في سياقها. لكن المشكلة في النقاش الدائر اليوم تكمن في محاولة البعض تجريم المعالجة الفنية الكوميدية لكل ما يتعلق بالهوية. فأصبح مجرد ذكر مدينة أو قبيلة أو لهجة في صورة فكاهية كافياً لاتهام صاحبها بالازدراء. هكذا أصبحت الهوية منطقة محرمة عالية الحساسية. بينما الحقيقة أن الكوميديا عادة لا تختار ما هو مجهول، بل ما هو حاضر بقوة في الوعي الجمعي. وهنا يكون تقليد هذه الفئة اعترافاً بحضورها وتأثيرها ونوعاً من إشهارها وإظهارها وتمييزها.
ومع ذلك، لا ندعو لمنح الكوميديا حصانة مطلقة، فهناك خطوط فاصلة لا ينبغي تجاوزها. المبالغة في تقليد سلوك أو عادات أو لهجات بطرق ساخرة يختلف جذرياً عن انتقاص الإنسان في أصله أو انتمائه أو كرامته، أو التحريض على كراهية جماعة بعينها. أي أن الفن يمارس دوره في كشف التناقضات الإنسانية وقولبتها، أما السخرية السلبية فتغادر الفن وتتحول إلى خطاب استعلاء وتمييز وعنصرية. والفرق كبير بين الحالتين.
على الجانب الآخر، ربما تكشف الحساسية المتزايدة تجاه الكوميديا عن ظاهرة اجتماعية أوسع. فكلما ارتفعت حالة الاستقطاب وتقلصت مساحة التسامح، أصبح الناس أكثر استعداداً لتفسير المزاح على أنه اعتداء شخصي. ومع الوقت ينخفض سقف الفن، ويصبح الكوميدي مطالباً بأن يضحك الناس دون أن يقترب من أي لهجة أو مدينة أو مهنة أو سلوك، وهي معادلة تكاد تكون مستحيلة، لأن الكوميديا تعيش أصلاً على ملاحظة الفروقات بين البشر.
أخيراً، نحن مجتمع جميل واثق من نفسه متآلف بين أطيافه وفئاته. فلا داعي للمبالغة في ردود الفعل على الكوميديا سواء احتوت على نقد أو نكتة. ولا خوف علينا من الفنون، بل هي طريقنا الآمن إلى أنفسنا.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



