الرئيسيةكتاب و آراءهل نحن على أعتاب صحوة تنويرية...
كتاب و آراء

هل نحن على أعتاب صحوة تنويرية جديدة؟

الوصاية الفكرية والدينية

عندما يُذكر مصطلح «الصحوة» يتبادر إلى الأذهان ذلك التيار الديني الذي ترك أثراً واسعاً في المجتمع، حتى كادت الكلمة تُستخدم كاسم خاص أكثر من كونها وصفاً لحالة فكرية قد تتكرر بأشكال متعددة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس ما إذا انتهت الصحوة، بل ما إذا يمكن أن تعود بصيغة أخرى، بشعارات مختلفة، ومرجعية جديدة.

قد يبدو هذا السؤال مستفزاً لأن الخطاب التنويري قدّم نفسه لسنوات بوصفه النقيض التام للصحوة، ووريثاً طبيعياً للعقل، والحرية، والتقدم؛ غير أن التجربة أظهرت أن الاختلاف في المرجعية لا يعني بالضرورة اختلافاً في طريقة التفكير.

التنوير الحقيقي مقابل التنوير الظلامي

الصحوة لم تكن مشكلة لأنها دينية، بل لأنها مارست الوصاية على المجتمع، وظنت أنها تحتكر الحقيقة، ورأت أن دورها لا يقتصر على عرض الأفكار بل يشمل توجيه الناس، وتصنيفهم، ومنحهم وثائق قبول أو refusal.

كل شكل من أشكال الوصاية يبدأ بادعاء حماية الحقيقة، ثم ينتهي إلى احتكارها.

والنموذج نفسه لم يختفي؛ بل أعاد بعض الذين يرفعون لواء التنوير إنتاجه بشكل مختلف، فبدلوا احتكار شرح النص باحتكار شرح الحداثة، واستبدلوا الوصاية الدينية بوصاية فكرية، وأصبح الاختلاف معهم عند البعض دليلاً على الجهل، وليس حقاً مشروعاً في تعدد الآراء.

ليس كل من حمل شعار التنوير تنويرياً؛ فكما أن الصحوة أنجبت متشددين، فقد أنجب التنوير أيضاً «تنويريين ظلاميين».

التنويري الحقيقي يثق بعقل المجتمع، يطرح فكرته ثم يترك للناس حرية قبولها أو رفضها؛ أما التنويري الظلامي فيؤمن بالحرية فقط إذا قادت إلى النتيجة التي يريدها، فإذا اختار المجتمع خياراً يختلف عما أراده تحول الحوار إلى محاكمة، والاختلاف إلى تهمة، والنقد إلى جريمة فكرية.

الظلامية ليست انتماءً دينياً ولا موقفاً من الحداثة، بل طريقة في التفكير؛ لذا قد يكون الإنسان متديناً بعيداً عنها، وقد يكون تنويرياً يمارسها دون أن يشعر، لأن المشكلة ليست في الفكرة ذاتها بل في الاعتقاد أن الحقيقة لا يحق أن يتحدث بها إلا فريق واحد.

التحول السعودي وتجاوز الثنائية

حين يبلغ المجتمع هذا المستوى من النضج، لا يبقى صراع المرجعيات هو محرك الدولة، بل تصبح المؤسسات أقدر على إدارة الاختلاف بمعايير النظام، والقانون، والكفاءة؛ لأن الدولة التي تثق بعقل مجتمعها لا تحتاج إلى وصيٍّ ديني ولا إلى وصيٍّ فكري.

ولعل أبرز ما كشفت عنه التحولات السعودية خلال السنوات الأخيرة أن المجتمع تجاوز هذه الثنائية؛ فلم يعد ينتظر من يعرّفه كيف يفكر، بل أصبح أكثر قدرة على اختبار الأفكار بنفسه، بينما اتجهت الدولة إلى نموذج يقيس قيمة الأفكار بقدرتها على صناعة الأثر وتحويلها إلى منجز، لا تُقاس بقدرتها على جذب الانتباه، أو احتكار النقاش، أو الادعاء بحقيقة مطلقة.

لهذا لم يعد المجتمع يقيس الأفكار بأسماء أصحابها، ولا بتاريخهم، بل بما يضيفه إلى واقعه؛ وبهذا فقد الخطاب الوصائي أهم امتياز تمتع به طويلاً، وهو حق الحديث باسم المجتمع، لأن المجتمع قرر أن يتحدث عن نفسه بنفسه.

لهذا، إذا كنا بالفعل مقبلين على صحوة جديدة، فلن تكون صحوة تيار، ولا انتصار أيديولوجيا على أخرى، بل صحوة على فكرة الوصاية نفسها؛ لأن المجتمع الذي يثق بعقله لا يستلزم من يفكر نيابة عنه، سواء ارتدى رداء الصحوة أو رداء التنوير؛ والمعيار ليس ما يصرّح به من شعارات، بل كيف يتعامل مع الرأي المخالف؛ فإذا اتسع صدره للاختلاف كان شريكاً في التنوير، وإذا ضاق به فلا فرق كبير بين ظلاميةٍ التي تتحدث عن الماضي، وظلاميةٍ التي تتحدث عن المستقبل.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *