الرئيسيةكتاب و آراءالمجاملة كدين مؤجل: قراءة نفسية لانفجار...
كتاب و آراء

المجاملة كدين مؤجل: قراءة نفسية لانفجار غير متوقع

12/07/2026 11:06

المشهد الأخير للانفجار

في جلسة عائلية عادية، وجّه أحد الحاضرين سؤالاً عابراً إلى رجل عرف بالهدوء طوال ثلاثين عاماً. بدلاً من الرد المعتاد، ارتفع صوته وتكلم كلمات متراكمة دفعة واحدة، ثم انصرف فجأة متركاً الحاضرين في حالة صدمة.

انقسم الحضور بين من رأى أن الرجل تغيّر ومن اعتبر أن حقيقته ظهرت أخيراً؛ كل فريق حكم على القصة بأكملها من خلال تلك اللحظة فقط.

تاريخ المجاملات المتكررة

قبل سنة قبل المناسبة، وافق على استضافة حدث بينما كان منهكاً منذ أيام، وقال «لا عادي». قبل ثلاث سنوات، أقرض قريباً مبلغاً يعلم في قرارة نفسه أنه لن يسترده، وقال «ولا يهمك». قبل سبع سنوات، ألغى خطته الوحيدة للراحة من أجل التزام لغيره، فابتسم وقال «ما يحتاج تعتذر». قبل عشر سنوات، سمع في مجلس تعليقاً جارحاً عن نفسه، فضحك مع الضاحكين وأكمل السهرة؛ عشرات المشاهد من هذا النوع، وفي كل واحدة كان يوقع، من حيث لا يدري، على قرض جديد.

المنظور الاقتصادي للمجاملة

لأن المجاملة في جوهرها عملية اقتصادية قبل أن تكون خلقاً اجتماعياً؛ كل عبارة من نوع «لا عادي» تُقال وهي مزعجة تشتري رضا اللحظة بدين مؤجل يُسدّ براحة قادمة؛ القرض الواحد لا يثقل كثيراً، لكن من يجامل في كل موقف يراكم ديوناً بفوائدها في مستودع لا يراه أحد، ولا يعلم بامتلائه حتى صاحبه.

الناس من حوله معذورون بشكل ما؛ فهم لم يطلعوا على الدفاتر، رأوا الابتسامة فظنوها رضا، وكرروا ما يفعلون بحسن نية، لأن ابتسامتك لما يزعجك تصدر لهم تسعيرة خاطئة لحدودك، ولا يملك أحد أن يحترم حداً لم يُعلن عنه.

وقد فرّق علماؤنا قديماً بين المداراة والمداهنة؛ فالمداراة أن تلين في القول دون أن تتنازل عن موقفك وهي حكمة محمودة، والمداهنة أن تبيع الموقف نفسه لتشتري الرضا، وفيها نزل قوله تعالى: ( ودوا لو تدهن فيدهنون). وصاحبنا ككثيرين منا، ظن نفسه طوال الطريق مدارياً وهو في الحقيقة كان يرهن ذاته علاقةً بعد علاقة.

الدرس المستفاد من الموقف

والآن عودوا معنا إلى المجلس. السؤال العابر لم يكن سبب الانفجار، كان موعد الاستحقاق؛ كلمة صغيرة وقعت على الرصيد المتراكم كله لا عليها وحدها، ولهذا بدت ردة الفعل أكبر من سببها بكثير.

والحاضرون الذين حكموا عليه ظلموه من حيث لا يعلمون، لأنهم حضروا الجلسة الأخيرة فقط من محاكمة استمرت ثلاثين سنة، لم يشهدوا مرافعاتها الصامتة ولا الأحكام الصغيرة التي كان يبتلعها وحده.

وما كان لهذه القصة أن تصل إلى مشهدها الأخير لو عرف صاحبنا أن السداد يكون أولاً بأول فجملة صادقة هادئة مثل «هذا يضايقني» تقال في حينها أرخص ألف مرة من انفجار ساخن بعد عقود، والعتاب المبكر ليس تعكيراً للصفو كما نظن، هو صيانة دورية تمنع العطل الكبير.

راقب العلاقات التي عاشت طويلاً بصحة جيدة تجد أصحابها يتعاتبون ويصارحون أولاً بأول، أما العلاقات التي «ما صار بينها شي أبداً» فكثيراً ما تنتهي فجأة وبلا رجعة.

إن الذي انفجر في ذلك المجلس لم يكن قاسياً كما بدا، كان مفلساً؛ أنفق ثلاثين سنة يشتري رضا من حوله بالدَّين، حتى جاءت ليلة لم يجد في حسابه ما يجامل به. وأطيب الناس قلباً ليسوا الذين لا يغضبون أبداً، هم الذين يسددون غضبهم بالتقسيط الصغير قبل أن يتحول إلى دين لا يُقضى إلا بالقطيعة.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *