لماذا تظل التوقعات بشأن السعودية قاصرة؟

عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ
في عالم السياسة، لا يُحتسب وزن الأمم بعدد الأزمات التي تعترض طريقها، فهذه الأزمات تمثل جزءاً لا يتجزأ من مسيرة أي دولة. المقياس الحقيقي يكمن في القدرة على تجاوز هذه المحن، بل والأهم من ذلك، تحويل بعضها إلى فرص للنماء. من هذه الزاوية تبرز المملكة العربية السعودية كحالة فريدة تستحق التدبر، ليس لأنها كانت بمنأى عن التحديات، بل لأنها وفي مراحل مختلفة من تاريخها الحديث، واجهت عقبات أعتقد كثير من المحللين أنها ستؤدي إلى إضعافها، غير أن النتائج كانت في كل مرة مخالفة لتلك التوقعات.
هنا يثور سؤال جوهري يستحق التحليل: لماذا تتسع الهوة باستمرار بين التوقعات والواقع كلما تعلق الأمر بالمملكة؟ ولماذا أخفقت قراءات عديدة في تقدير مسار الدولة السعودية في ظروف تاريخية متباينة؟
ما وراء النفط والجغرافيا
قد تبدو الإجابة بسيطة للوهلة الأولى. هناك من يرد ذلك إلى الثروة النفطية، وآخرون يربطونه بالموقع الاستراتيجي المتميز، بينما يركز فريق على الثقل السياسي والاقتصادي. لكن المشكلة أن هذه العوامل ليست حكراً على المملكة. فقد شهد التاريخ الحديث دولاً تمتعت بثروات طائلة، وأخرى حظيت بجغرافيا مؤثرة، وثالثة كانت تملك قوة عسكرية هائلة، ومع ذلك لم تستطع الحفاظ على مكانتها أو تأثيرها الإقليمي والدولي.
لذا فإن تفسير الحالة السعودية يستدعي قراءة أوسع وأشمل، تتجاوز النظر إلى عامل واحد بعينه. المملكة ليست مجرد اقتصاد، وليست مجرد جغرافيا، وليست مجرد ثروة طبيعية. إنها نموذج تشكل عبر تداخل معقد ومتشابك بين الدين، والتاريخ، والسياسة، والمجتمع، وعبر تراكم الخبرات عبر عقود طويلة.
من التوحيد إلى الصمود: مسيرة التحديات
عندما قاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عملية توحيد البلاد، كان قلة من المراقبين يتوقعون أن تنجح دولة فتية في بيئة كانت شحيحة الموارد المالية والإنتاجية قبل اكتشاف النفط الذي غيّر المعادلة، في بناء مشروع وطني طموح بهذا الحجم. لكن الدولة واصلت مسيرتها. ثم جاءت التحولات الكبرى في القرن العشرين، مع اكتشاف النفط، وتوسع مؤسسات الدولة، وتعاظم دور المملكة الإقليمي والدولي.
ومع تعاقب العقود، لم تتلاشَ التحديات. فقد واجهت المملكة اضطرابات إقليمية، وتقلبات اقتصادية، وأزمات أمنية، وتغيرات دولية متسارعة. وفي كل مرة تقريباً، كانت تظهر تحليلات تتحدث عن انهيار وشيك أو تراجع محتمل أو تقلص في الدور السعودي. لكن ما جرى في العديد من الحالات كان مختلفاً تماماً.
النجاة أم الصعود: الفرق الجوهري
هنا تبرز نقطة بالغة الأهمية. خصوصية السعودية لا تكمن في أنها نجت من الأزمات، فكثير من الدول تفعل ذلك. وليست خصوصيتها أنها استمرت، فأمم عديدة استمرت أيضاً. الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي أن المملكة خرجت من عدة منعطفات تاريخية أكثر قوة وتأثيراً مما كانت عليه قبل الدخول فيها.
هذا هو الفرق الجوهري بين النجاة والصعود. النجاة تعني تفادي السقوط، أما الصعود فيعني تحويل التحدي نفسه إلى منصة انطلاق جديدة. وهذه الظاهرة تستحق الدراسة فعلاً.
فعندما شهدت أسواق الطاقة العالمية هزات متكررة، لم يقتصر رد المملكة على انتظار تحسن الأسعار، بل أطلقت مسارات جديدة للتنويع الاقتصادي وتوسيع قاعدة الاستثمار والإنتاج. وعندما واجه العالم جائحة كورونا، وقفت المملكة أمام تحدٍ صحي فحسب، بل وأمام مسؤولية تاريخية في إدارة الحج والعمرة في ظرف استثنائي غير مسبوق. وبعد انقضاء الأزمة، تحولت تلك التجربة إلى واحدة من أبرز التجارب العالمية في إدارة الحشود والعمليات التنظيمية المعقدة.
وعندما تتعرض المنطقة لتحولات جيوسياسية حادة، لا تكتفي المملكة بردود الفعل، بل تسعى إلى إعادة صياغة جزء من المشهد الإقليمي عبر مبادرات وتحالفات ومشروعات استراتيجية طويلة المدى.
من هنا يمكن فهم سبب إخفاق بعض التوقعات. كثير من القراءات تنطلق من الحدث الآني، بينما تتحرك الدول الكبرى وفق حسابات تتجاوز اللحظة الراهنة. وكثير من التحليلات تراقب الأزمة نفسها، لكنها لا تراقب قدرة المؤسسات على التكيف. وكثير من المراقبين يركزون على حجم التحدي، بينما يغفلون حجم الأدوات المتاحة لمواجهته.
ولهذا السبب تحديداً تتكرر الفجوة بين المتوقع والواقع. البعض ينظر إلى الاقتصاد ويغفل التاريخ، والبعض يقرأ الجغرافيا ويتجاهل المجتمع، والبعض يراقب السياسة ولا ينتبه إلى أثر الزمن في بناء الخبرة والمؤسسات.
البعد الإيماني والتراكم التاريخي
داخل هذه الصورة المركبة، يوجد عنصر آخر لا يمكن تجاهله عند محاولة فهم الحالة السعودية من الداخل. قطاع واسع من السعوديين لا ينظر إلى مسيرة بلاده كنتاج لمعادلات مادية فقط، بل يراها أيضاً جزءاً من منظومة أوسع من السنن الإلهية.
لكن السنن الإلهية في المفهوم الإسلامي لا تعني انتظار المعجزات، ولا تعني أن المكانة الدينية تعفي من العمل. بل على العكس تماماً، فالقرآن يربط بين التوفيق والأخذ بالأسباب، وبين الإيمان والعمل، وبين التوكل والسعي. لذا فإن شرف احتضان الحرمين الشريفين، وما تمثله المملكة في وجدان المسلمين، لا يُفهم في الوعي السعودي كامتياز مجرد، بل كمسؤولية مضاعفة وتكليف مستمر.
من هنا يرى كثير من السعوديين أن ما تحقق لبلادهم عبر العقود لم يكن نتاج عامل واحد، بل حصيلة تفاعل بين العمل البشري والاجتهاد المؤسسي من جهة، وبين البركة الإلهية والتوفيق الرباني من جهة أخرى.
هذا ما يمكن أن تقوله الرؤية الإيمانية. أما لغة السياسة والتاريخ فتقول شيئاً آخر لا يقل أهمية. المملكة العربية السعودية طورت عبر أكثر من قرن قدرة استثنائية على التكيف مع المتغيرات، وإعادة بناء أدواتها، واستيعاب التحولات الكبرى دون أن تفقد هويتها الأساسية أو دورها المحوري.
قد يكمن جزء من التفسير في أن كثيراً من القراءات السياسية تنظر إلى الأحداث كلحظات منفصلة، بينما تُبنى الدول الكبرى عبر التراكم، لا عبر اللحظات. قرن كامل من بناء المؤسسات، وصناعة الخبرة، وإدارة التحولات، لا يمكن اختزاله في أزمة عابرة، أو توتر مؤقت، أو قراءة مرتبطة بظرف آني. ولهذا تخطئ بعض التوقعات لأنها تزن الحدث بدقة لكنها لا تزن التراكم الذي يقف خلفه.
لذا فإن السؤال الحقيقي ربما لا يكون: لماذا لم تسقط السعودية؟ بل: لماذا خرجت من كثير من المنعطفات أكثر قوة مما كانت عليه قبلها؟
ذلك هو السؤال الذي ما زال كثير من المراقبين يحاولون الإجابة عنه. وربما لهذا السبب أيضاً ما زالت التوقعات تخطئ في أحيان كثيرة. بعض من يراقبون المشهد يرون جزءاً من الصورة، بينما تكمن قوة التجربة السعودية في اجتماع عناصر متعددة لا يمكن فهمها إذا نُظر إلى كل عنصر بمعزل عن الآخر.
السعودية ليست قصة دولة نجت من الأزمات فحسب. إنها قصة دولة استطاعت عبر الزمن أن تحول كثيراً من المنعطفات إلى بدايات جديدة، مستندة إلى تراكم تاريخي عميق، ومؤسسات متنامية، وثقة وطنية متجذرة، ورؤية تتعامل مع التحديات كجزء من حركة التاريخ لا نهايته.
لعل الدرس الأوسع من التجربة السعودية لا يتعلق بالمملكة وحدها، بل يتعلق أيضاً بحدود القدرة البشرية على التنبؤ بمسارات الأمم. فالتاريخ كثيراً ما يفاجئ الذين يعتقدون أنهم فهموه بالكامل.
وربما لهذا السبب تحديداً لا تكمن أهمية الحالة السعودية في أنها خالفت بعض التوقعات فحسب، بل في أنها تذكرنا دائماً بأن الأمم لا تُقرأ من خلال لحظة واحدة، ولا تُفهم عبر أزمة واحدة، ولا يُحكم عليها من خلال عنوان عابر. فما تصنعه الدول الكبرى عبر عقود من التراكم، قد تعجز اللحظات العابرة عن تفسيره، وقد تعجز التوقعات السريعة عن استيعابه. ولهذا تبقى بعض التجارب أكبر من أن تُختزل في حدث، وأوسع من أن تُفسر بسبب واحد، وأعمق من أن تُقرأ من زاوية واحدة فقط.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



