لماذا تمر اللحظات الأخيرة في حياتنا دون أن نلحظها؟

لماذا تمر اللحظات الأخيرة في حياتنا دون أن نلحظها؟

كثيراً ما تأتي المرة الأولى مصحوبة بإعلان واضح، فنعرف أنها الأولى ونتذكر تفاصيلها بدقة. أول يوم دراسي، أول راتب تقاضيناه، أول مرة نقف فيها أمام جمع من الناس — كلها لحظات تُصوَّر وتُحكى وتُحفظ في الذاكرة. أما المرة الأخيرة، فتمضي في هدوء تام، لا يرافقها تصفيق ولا تنبيه، ولا يعلم أحد أنها الأخيرة إلا بعد فوات الأوان.

المرة الأولى محفورة، والأخيرة تمر صامتة

آخر مرة حملت فيها طفلك على كتفيك لم تكن تدري أنها الأخيرة. آخر مرة جلست فيها مع جدك في مجلسه، تسمع قصصه المعتادة وتنظر في هاتفك، لم تخطر ببالك أنها قد لا تتكرر. وآخر مرة ضحكت فيها مع صديق قبل أن تفرق بينكم الأيام، كانت مجرد ليلة عادية نسيت تفاصيلها، لأنها لم تكن مميزة بما يكفي لتنتبه إليها.

السبب في ذلك يعود إلى طبيعة الدماغ، الذي يركز على الجديد ويتجاهل المكرر لتوفير الطاقة. المرة الأخيرة تشبه تماماً ما قبلها، فيعاملها العقل كأي تكرار آخر، ويمر عليها دون أن يسجلها في الذاكرة.

اقرأ أيضاً: طيران ناس يستأنف رحلاته المباشرة بين جدة والكويت ابتداءً من أول نوفمبر

لماذا لا ننتبه إلى النهايات؟

يوضح عالم النفس دانيال كانمان أن ذاكرتنا تحكم على التجربة بناءً على ذروتها ونهايتها. لكن المفارقة أن النهاية التي تشكل ذكرانا لا نعرف أنها نهاية إلا بعد أن تمضي. نعيشها كأنها لحظة عادية، ثم نكتشف لاحقاً أنها كانت الأخيرة.

تأمل كيف نقول لأطفالنا كل يوم «بعد قليل». يطلب الطفل منا أن نلعب معه أو نستمع إليه، فنرد: بعد قليل. ثم يكبر الطفل ولا يعود يطلب. لم يتوقف عن الطلب فجأة، بل توقف في يوم ما، بعد مرة أخيرة لم يلاحظها أحد.

عندما يصبح «بعد قليل» أبداً

لهذا السبب نؤجل ونقول: سأزوره الأسبوع القادم، سأتصل به غداً، سنجلس معاً حين تهدأ الأمور. نتصرف وكأن المرات لا تعد ولا تحصى، والحقيقة أن لكل شيء عدداً، حتى لو لم نعرفه. عدد اللقاءات مع من نحب، عدد الأعياد في بيت واحد، عدد المرات التي سيناديك فيها أحدهم باسمك الصغير — كل ذلك يتناقص يومياً دون أن نرى النقص.

اقرأ أيضاً: لماذا قد يكون افتراض صحة فكرة خصمك أكثر إقناعاً من دحضها؟

وكثيراً ما نسمع من كبار السن أن ما يؤلمهم ليس ما فعلوه، بل ما مروا به غافلين: أحاديث لم يسمعوها، أسئلة لم يسألوها، أيام ظنوها ستتكرر. من حولهم من الأحباب لا يطلبون منهم أمراً عظيماً، فقط يطلبون أن يكونوا حاضرين.

كيف نحمي اللحظات من الضياع؟

الحل ليس في العيش بحزن مسبق أو تحويل كل لقاء إلى وداع، فهذا يفسد المرات كلها. الحل أصغر من ذلك بكثير: أن نترك للانتباه مساحة صغيرة، أن ننظر في وجه من يحدثنا ونحن نسمعه، أن نضع الهاتف جانباً في تلك الدقائق. وقبل أن نؤجل، نسأل أنفسنا: لو كانت هذه آخر مرة، فهل أرضى بالطريقة التي سأقضيها بها؟

اقرأ أيضاً: ريال مدريد يطارد فوزًا أول في أثينا أمام أيك بدوري الأبطال

اجعل لمن تحب موعداً ثابتاً، مهما كان بسيطاً: مكالمة أسبوعية، فنجان قهوة صباح الجمعة، أو جلسة بعد صلاة العشاء. فالعادات الصغيرة المنتظمة هي ما يحمي المرات من أن تضيع بلا انتباه. الحب لا يحتاج إلى مناسبة كبيرة، فقط يحتاج إلى موعد يتكرر ويحضره صاحبه كله.

جرب هذا الاختبار الليلة: اذكر ثلاثة أشخاص تحبهم، ثم اسأل نفسك متى كانت آخر مرة جلست معهم جلسة حقيقية وليست عابرة. إن طال الجواب، فهذا هو الجواب.

المرة الأخيرة لا تعلن عن نفسها، ولا تترك لنا فرصة لإعادتها. كل ما نملكه هو أن ننتبه لهذه المرة كأنها قد تكون هي.

المزيد في قسم كتاب و آراء

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *