لماذا قد يكون افتراض صحة فكرة خصمك أكثر إقناعاً من دحضها؟

لماذا قد يكون افتراض صحة فكرة خصمك أكثر إقناعاً من دحضها؟

في خضم النقاشات اليومية، يميل الكثيرون إلى إنفاق جهد كبير لإثبات خطأ الطرف المقابل، عبر تقديم الأدلة وتكرار الاعتراضات وإضافة تفسيرات جديدة. غير أن الكاتب الدكتور رياض بن ناصر الفريجي يطرح في مقاله مسلكاً بديلاً أكثر هدوءاً وفاعلية: افتراض أن فكرة الطرف الآخر صحيحة، ثم تتبع أين تقودنا.

أسلوب مختلف في بناء الإقناع

هذه المقاربة لا تبدأ بمواجهة الفكرة مباشرة، بل تمنحها فرصة كاملة لتكشف عن نفسها من خلال نتائجها العملية. ويضرب الكاتب مثالاً من القرآن الكريم على هذا البناء الإقناعي البديع، في قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. يتأمل الكاتب في البناء اللغوي: «لو كان» ثم «إذًا»، حيث يُقبل الافتراض ابتداءً ثم تترتب عليه النتيجة. وبدلاً من أن يظل النقاد محصوراً في صحة الادعاء ذاته، ينتقل التفكير إلى اختبار ما سيحدث إذا سلّمنا بهذا الادعاء.

اقرأ أيضاً: الرياض: نمو غير مسبوق لمنصة فرصة يدعم الاقتصاد الوطني بينما تدين السعودية و20 دولة التوسعات الإسرائيلية في الضفة الغربية

منهج ذكي في التواصل

من الناحية الاتصالية، يصف الكاتب هذه الأداة بأنها شديدة الذكاء؛ لأن بعض الأفكار تستطيع الدفاع عن نفسها ما دامت في مساحة التجريد، لكنها تصبح أكثر قابلية للفحص عندما توضع أمام آثارها العملية. ويتخيل الكاتب سيناريو اجتماع يُقترح فيه إلغاء خطوة رقابية بهدف تسريع العمل. هنا يمكن أن يندلع النقاش فوراً حول أهمية الرقابة، ويدخل الأطراف في سجال طويل. لكن البديل الأكثر فاعلية هو أن يسلك الفريق طريقاً آخر: «حسنًا، لنفترض أننا ألغيناها؛ ماذا سيحدث بعد ذلك؟ من سيتحقق من سلامة الإجراء؟ ما الأخطاء المحتملة؟ وما تكلفة معالجتها؟ وهل الزمن الذي سنوفره أكبر من المخاطر التي قد نضيفها؟». بهذه الطريقة ينتقل النقاش من الدفاع عن المواقف إلى اختبار العواقب.

اقرأ أيضاً: الإنفاق عبر نقاط البيع في السعودية يسجل 15.4 مليار ريال خلال أسبوع

فصل الفكرة عن صاحبها

يشير الكاتب إلى أن هذه المهارة مهمة في الاتصال لأن الإنسان يرتبط أحياناً بفكرته حتى يصبح الاعتراض عليها في نظره اعتراضاً عليه شخصياً. وكلما هاجمنا فكرته مباشرة، ازدادت رغبته في حمايتها. أما حين ندعوه إلى تتبع ما يترتب على فكرته، فإننا نضع الفكرة على الطاولة بعيداً عن صاحبها، ونفحصها معه.

اقرأ أيضاً: وزارة التعليم تُدشّن مسار التعليم غير المتزامن عبر «روضتي الافتراضية»

تطبيقات في القرارات والاستراتيجيات

وتظهر قيمة هذا الأسلوب أيضاً في القرارات والاستراتيجيات والحملات الإعلامية. قد تبدو فكرة جذابة عند عرضها لأول مرة، لكن السؤال الأهم يأتي بعدها: إذا طبقناها، فما الذي سيحدث؟ ماذا سيحدث إذا خفضنا السعر؟ وإذا نشرنا هذه الرسالة؟ وإذا استهدفنا هذا الجمهور؟ وإذا فتحنا هذه القناة؟ وإذا أصبح الاستثناء قاعدة؟ كل سؤال من هذه الأسئلة يدفع الفكرة خطوة إلى الأمام، حتى نرى ما كان مختبئاً داخلها من نتائج.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى هذا النوع من التفكير؛ فسهولة الحصول على المقترحات والبدائل قد تغرينا بسرعة الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ، بينما تبقى مسؤولية الإنسان في أن يسأل عن الآثار التالية: «ثم ماذا؟». ويؤكد الكاتب أن هذه العبارة الصغيرة تُعد من أكثر الأسئلة فائدة في صناعة القرار والاتصال. لأن بعض الأفكار تبدو ممتازة في خطوتها الأولى، وتظهر مشكلتها في الخطوة الثالثة أو الخامسة، والنظر إلى الأمام يكشف أحياناً ما لا تكشفه المناقشة المباشرة.

لذلك، عندما تواجه فكرة تختلف معها، قد لا تحتاج دائماً إلى أن تبدأ بإثبات خطئها. امنحها افتراضاً فرصة أن تكون صحيحة، وسر معها قليلاً. فبعض الأفكار يكشفها ما تقوله، وبعضها تكشفه النتائج التي تقود إليها.

المزيد في قسم كتاب و آراء

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *