النجاة من الهجوم لا تعفي المعتدي.. وادي المغمّس يذكّر بحملة أبرهة

النجاة من الهجوم لا تعفي المعتدي.. وادي المغمّس يذكّر بحملة أبرهة

قد يمر بيان الدفاع المدني مرورًا سريعًا على القارئ المستعجل: صاروخان حوثيان أطلقا باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتم اعتراضهما، ثم يُطوى الخبر في هدوء. لكن البيان يحمل اسمًا يستحق التوقف عنده، وهو «وادي المغمّس»، حيث سقطت أجزاء الصاروخين.

والمغمّس ليس واديًا عابرًا في ذاكرة مكة؛ ففي سيرة ابن هشام، نقلاً عن ابن إسحاق، يرد منزلًا نزل فيه أبرهة خلال مسيره إلى البيت الحرام. حملة يعرف الجميع أنها فشلت، لكن قليلين يسألون: ماذا بقي منها بعد الفشل؟ وهذا هو سؤال اليوم بالضبط: ماذا يبقى من مسؤولية المعتدي حين يُحال بينه وبين ما أراد؟

والإجابة على هذا السؤال أقدم من السؤال ذاته.

وادي المغمّس: من حملة أبرهة إلى صواريخ اليوم

لكن تسبق هذه الإجابة مغالطة شائعة، وهي تحويل نجاح الحماية إلى عذر للمعتدي، وكأن الدم شرطٌ للاعتراف بالجريمة، وكأن كفاءة الدفاع تمنح العدوان تخفيضًا أخلاقيًا. صحيح أن الهجوم أُحبط، لكن الصاروخ أُطلق، والشظايا سقطت، والناس كانوا في مرمى الخطر. وما منعته يقظة الرجال لا يُحذف من حساب المسؤولية لمجرد أنه لم يبلغ المشهد الذي أراده صاحبه.

وفي الحديث المتفق عليه، علّل النبي صلى الله عليه وسلم الوعيد للمقتول في اقتتال المسلمين بقوله: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه». وهو حرصُ من سعى إلى القتل بغير حق، لا خاطرٌ مرّ بالنفس، ولا دفاعُ من يصدّ العدوان عن الآمنين. فعدم إتمام الاعتداء لا يلغي جناية من سعى إليه.

ويشتدّ الأمر في حرم الله، حيث يقول تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فقد علّق العذاب بالإرادة. ونقل ابن كثير عن ابن مسعود وعيدًا لمن أراد فيه ظلمًا ولو كان بعيدًا في عدن أبين، بعد أن صحح إسناده ورجّح كونه موقوفًا على ابن مسعود. فإذا كانت المسافة لا تمنح العزم على العدوان حصانة، فكيف بفعل تجاوز العزم إلى إطلاق السلاح؟

مسؤولية المعتدي لا تسقط بفشل الهجوم

وذكرُ عدن في الأثر بيانٌ لبعد المسافة، لا إدانةٌ لأرضٍ أو شعب؛ فاليمن الشقيق أوسع من ميليشيا تعتدي باسمه، ولأهله حقٌّ في الأمن كحقّ كل شعب.

ولمن يرى في «الاعتراض» نهاية القصة، فليتذكر الحياة التي يعرّضها العدوان للخطر: معتمرٌ جاء بعد انتظار، وابنٌ يدفع كرسي والدته، وعاملٌ يؤدي خدمته، وأسرةٌ تقيم في جوار البيت. حياةٌ تتولى المملكة صونها أمنًا وتنظيمًا ورعاية. والمكانة الإسلامية للحرمين تستدعي تضامنًا يحترم هذه الأمانة والسيادة القائمة عليها؛ فعالمية القداسة عالميةُ واجب، لا عالميةُ وصاية.

الحياة التي يستهدفها العدوان

والآن، امتحانٌ صغير لكل قارئ: حين تطوي خبر الاعتراض مطمئنًا، هل تطوي قلقك على من استُهدف، أم تطوي معه مسؤولية المعتدي؟ لك أن تطمئن إلى نجاح الدفاع، لكن لا تجعل طمأنينتك عفوًا عن الاعتداء. هنا تُمتحن المواقف، حين تُربك إدانةُ المعتدي انحيازًا سياسيًا، أو تهدم صورةً جرى تلميعها طويلًا. فالموقف المبدئي لا يؤجّل تسمية العدوان حتى يتعرف إلى شعار صاحبه. والإنصاف يقتضي تقدير الإدانات الخليجية والعربية المعلنة؛ فالنقد للتبرير وازدواجية المعايير، لا لضمائر الشعوب.

ولم يعد الإعلام مؤسساتٍ وحدها؛ فكل حسابٍ اليوم منبر. ومسؤوليتك فيه أن تسمّي العدوان باسمه، وتتثبّت قبل أن تنشر؛ فلا تهويل يخدم المعتدي بالذعر، ولا تهوين يخدمه بالنسيان، ولا اتهاماتٌ تشتّت الرسالة وتظلم الأبرياء، حتى لا تنقلب الطمأنينة اعتيادًا على العدوان.

ثبات المعيار: دروس من قصة أصحاب الفيل

كلمة السر هي «ثبات المعيار»؛ فأصحاب الفيل لم يبلغوا مرادهم في هدم الكعبة، ومع ذلك لم يُطوَ خبرهم، بل بقيت قصتهم في القرآن شاهدةً على كيدهم وعاقبته.

نجا البيت، أما العدوان فلم ينجُ من الإدانة.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *