كيف شكلت بيئة عسير هويتها المعمارية عبر الحجر والطين والمَرو

العمارة العسيرية وتفاعلها مع البيئة
مع حلول المناسبة السنوية لليوم العالمي للعمارة، تعيد منطقة عسير النظر في تجربتها العمرانية التي تحولت فيها الجبال من عائق إلى مورد بناء أساسي، فاستُخدم الحجر والطين والخشب المتاح محلياً لتشكيل قرى ومساكن تستجيب لاحتياجات السكان وتتماشى مع الخصائص البيئية بدلاً من مجابهتها.
يُظهر هذا الاتجاه كيف أصبح الارتفاع السمة البارزة للعمارة التقليدية، إذ دفع ضيق المساحات في التضاريس الجبلية البنّائين إلى الاستثمار العمودي، فظهرت مبانٍ متعددة الطوابق بدت كامتداد طبيعي للجبال التي شُيدت عليها.
وتنقسم الأنماط المعمارية في المنطقة إلى عمارة مرتفعات أبها، وعمارة جبال السروات، وعمارة أصدار عسير، وعمارة سفوح تهامة، وعمارة ساحل تهامة، وهو تنوع يرتبط بتباين التضاريس والموارد والظروف المناخية بين أجزاء المنطقة.
المواد المحلية والجمال الهندسي
كان الحجر عنصرًا أساسيًا في بناء مناطق السراة ورجال ألمع، وبجانب الطين المستعمل في الجدران وبعض المكونات الإنشائية، واستُخدم الخشب لأغراض إنشائية وزخرفية، لا سيما في الأسقف والأبواب والنوافذ.
وبحسب دراسة حول العمارة التقليدية في عسير أجراها الدكتور علي مرزوق، فإن اختيار هذه المواد لم يقتصر على توافرها فحسب، بل نبع من معرفة متراكمة بخصائصها وكيفية استخدامها بما يتناسب مع المناخ والطبيعة الجغرافية.
ومن الحلول المحلية البارزة تقنية «الرقف»، التي تعتمد على بروز أجزاء حجرية من الجدار لحماية الأسطح الطينية من مياه الأمطار؛ ومع كونها معالجة إنشائية تحوّلت في الوقت نفسه إلى عنصر جمالي يمنح الواجهات إيقاعاً هندسياً متكرراً.
ويظهر المظهر الجمالي للمواد المحلية بوضوح في استخدام «المَرو»، وهو حجر أبيض لامع يُجمع من المناطق الجبلية ثم يكسر إلى قطع صغيرة تُستعمل في تزيين الواجهات، خصوصاً حول الأبواب والنوافذ وفي الأجزاء العليا من المباني، حيث تشكل هذه القطع تكوينات هندسية متنوعة تشمل المثلثات والمربعات والخطوط الرأسية والأفقية، فتبدو على خلفية الحجر الداكن وتمنح الجدار تبايناً لونياً واضحاً يحوله من مجرد عنصر إنشائي إلى مساحة للتعبير الفني.
الحرف والتراث المستدام
تكشف المصطلحات المحلية المرتبطة بالبناء عن منظومة مهنية متكاملة عرفتها عسير قديماً؛ فـ«الباني» كان يتولى مهمة معلم البناء والمسؤول عن المقاسات وتوجيه العمل، ويساعده عدد من العمال من بينهم «الشُقاة»، بينما يتولى «المنظي» جلب الحجارة وتكسيرها وتهذيبها، ويقوم «الكاحل» بملء الفراغات بين الأحجار الكبيرة بالأحجار الصغيرة.
تبدأ عملية البناء باختيار الموقع وإعداد الأساسات، أو ما يعرف محلياً بـ«الربض»، ثم ترتفع الجدران تدريجياً وفق مقاييس وخبرات متوارثة قبل تنفيذ النوافذ والعناصر الزخرفية والتفاصيل النهائية.
وفي بلدة رُجال بمحافظة رجال ألمع، وفقًا للمصادر التراثية، فإن بعض مباني البلدة يعود تاريخها إلى أكثر من ثلاثمائة سنة، وبُنيت مباني البلدة باستخدام الحجر والطين والخشب، وبلغ ارتفاع بعض هذه المباني ثمانية طوابق، وتشمل هذه المباني حصوناً ومنشآت متعددة الطوابق استُخدمت للسكن وتخزين المؤن والحماية، مع توزيع داخلي للوظائف بين السكن والمخزن.
وقد شُيدت هذه الهياكل في نقاط مرتفعة لمراقبة الطرق ومداخل القرى، واستُخدمت بعض نماذجها لحفظ الحبوب والمؤن، بينما زُود بعضها بفتحات صغيرة لأغراض المراقبة والدفاع.
يمكن ملاحظة أبراج حجرية عالية في أنحاء عسير، وبشكل خاص في أصدار المنطقة، تتميز بطابع حصين، ويبلغ ارتفاع بعض هذه الأبراج ستة أدوار، بينما يتجاوز ارتفاع بعض الآثار التراثية عشرين مترًا، مما يعكس مهارة البنّاء المحلي في تنفيذ البناء العمودي على الأراضي الوعرة.
ولم يقتصر الإبداع على الحجر والطين، إذ أسهمت النجارة التقليدية في استكمال هوية المباني من خلال الأبواب والنوافذ والأسقف، واستخدم الحرفيون الأخشاب المحلية ومنها خشب الطلح في صناعة أبواب زُينت بتكوينات هندسية ونباتية استندت إلى تقسيمات زخرفية متوارثة تتقاطع مع جماليات الفن الإسلامي.
وامتد حضور الفن إلى داخل المنازل عبر فن القط العسيري، الذي ارتبط بتزيين الجدران والفراغات الداخلية وأسهمت النساء في إنتاجه باستخدام تشكيلات هندسية وألوان متناسقة أصبحت جزءاً من الهوية البصرية للمنطقة.
وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» فن القط العسيري ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية عام 2017، ليصبح أحد المكونات التي تعكس خصوصية الثقافة البصرية في عسير.
وبذلك تتجاوز العمارة التقليدية في المنطقة الجانب الإنشائي لتقدّم سجلاً للحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكانها؛ فالبيت والبرج والقصبة ارتبطت بوظائف السكن والتخزين والحماية، بينما حملت الزخارف والحرف اليدوية ذاكرة المجتمع وذائقته الفنية.
وتكشف التجربة العمرانية العسيرية عن قدرة المعرفة المحلية على التكيف مع البيئة، بدءاً من اختيار الموقع ومواد البناء، مروراً بارتفاعات المباني وحلول مواجهة الأمطار وتقنيات تثبيت الأحجار، وصولاً إلى توزيع الوظائف داخل المنشأة وفق احتياجات السكان وطبيعة المكان.
وفي سياق الاحتفاء باليوم العالمي للعمارة، تكتسب هذه التجربة أهمية تتجاوز بعدها التراثي، إذ تستحضر مبادئ حاضرة في النقاش المعاصر حول العمارة المستدامة، وفي مقدمتها الاستفادة من المواد المحلية، وفهم المناخ، والتكيف مع التضاريس، وتحقيق التوازن بين الوظيفة والجمال.
ومن سفوح السروات إلى قرى رجال ألمع وأصدار عسير، تظل المباني التقليدية صفحات حية من تاريخ المكان، تحفظ خبرات البنائين والحرفيين المحليين، وتقدم نموذجاً على أن العمارة التي تنطلق من فهم البيئة واحترام مواردها تستطيع أن تتجاوز وظيفتها الأصلية، لتتحول إلى ذاكرة بصرية وهوية ثقافية وحضارية متجددة لمنطقة عسير.






