تجميد إنتاج النفط للشهر الثاني على التوالي.. هل انتهت سياسة زيادة الحصص في أوبك+؟

لم تكن الأشهر القليلة الماضية مجرد فترة لرفع حصص إنتاج النفط داخل تحالف أوبك+، بل كانت اختباراً حقيقياً لمدى قدرة تلك الزيادات المعلنة على التحول إلى براميل ملموسة تصل فعلياً إلى الأسواق العالمية.
فقد ارتفعت الحصة المطلوبة من السعودية تدريجياً من 10.166 مليون برميل يومياً في أبريل إلى 10.478 مليون برميل يومياً في سبتمبر، قبل أن تُثبَّت عند هذا المستوى في شهري أكتوبر ونوفمبر، وهو ما أعلنته المجموعة في 4 أكتوبر، مع تحديد الأول من نوفمبر موعداً لاجتماعها التالي.
زيادة الحصص لا تعني زيادة الإنتاج
ورغم رفع الحصة، أظهرت تقديرات وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج السعودية ظل أقل من حصتها المطلوبة بأكثر من 3 ملايين برميل يومياً خلال معظم الأشهر. ففي أبريل بلغ الإنتاج وفق المصادر الثانوية 6.755 مليون برميل يومياً، ثم 6.912 مليون في مايو، و6.762 مليون في يونيو، و7.352 مليون في يوليو، و7.276 مليون في أغسطس. وبذلك اتسعت الفجوة بين الحصة والإنتاج إلى نحو 3.411 مليون برميل يومياً في أبريل، و3.316 مليون في مايو، و3.529 مليون في يونيو، و3.001 مليون في يوليو، و3.14 مليون في أغسطس.
وفي أغسطس تجاوز الفارق بين الإنتاج الذي أبلغت به السعودية منظمة أوبك وتقديرات المصادر الثانوية مليون برميل يومياً، حيث أبلغت الرياض عن إنتاج بلغ 6.238 مليون برميل يومياً مقابل 7.276 مليون وفق المصادر الثانوية، بفارق يتجاوز المليون برميل.
كما تراجع متوسط سعر خام برنت من 117.29 دولاراً في أبريل إلى 85.40 دولاراً في يونيو، ثم تعافى إلى 91.08 دولاراً في أغسطس، وأغلق عقد نوفمبر عند 103.50 دولاراً في 30 سبتمبر، وظل فوق 100 دولار في مطلع أكتوبر، وسط انخفاض المخزونات العالمية واختلاف تقديرات الطلب الآسيوي، خاصة تجاه الصين.
الإنتاج والإمدادات والصادرات.. ثلاثة مستويات مختلفة
بلغت الإمدادات السعودية إلى السوق في أغسطس 7.122 مليون برميل يومياً مقابل إنتاج معلن قدره 6.238 مليون، بزيادة 884 ألف برميل يومياً، مما يشير إلى سحب جزء من المخزونات، وفق تقارير استندت إلى بيانات أوبك وبلومبرغ.
أما الصادرات، فتراجعت إلى 3.434 مليون برميل يومياً في مايو مقابل 3.986 مليون في أبريل، وفق بيانات جودي، وهو أدنى مستوى في السلسلة منذ 2002، قبل أن ترتفع إلى 3.993 مليون في يونيو و4.125 مليون في يوليو، ثم تنخفض في أغسطس إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً وفق بيانات تتبع الناقلات التي نقلتها بلومبرغ.
وهكذا تختلف الحصة التي تسمح بها أوبك+ عن الإنتاج الذي تقدره المصادر الثانوية وعن الصادرات التي تصل إلى الأسواق الخارجية.
التعويضات والمخزونات ترسمان المشهد
في أبريل 2026، أعلنت أمانة أوبك تسلم خطط محدةة للتعلويض من العرال وإمارات وكازاخستان وعمان عن إنتاج زائد سابق. ووفق رويتز، كانت كازاخستان صاحبة النصيب الأكبر من التخفيضات التعويضية، تليها العراق ثم الإمارات.
وبحسب أرجوس، بلغ متوسط التخفيضات التعويضية المخططة بين أبريل ويونيو نحو 305 آلاف برميل يومياً لتعويض تجاوز تراكمي يقارب 4.573 مليون برميل يومياً، فيما كانت السعودية قد استكملت تعويض إنتاجها الزائد السابق.
لذلك لا تتحول زيادة أهداف أوبك+ بالضرورة إلى زيادة صافية في المعروض، إذ قد يقابلها خفض تعويضي في دولة أخرى أو تعجز الزيادة الاسمية عن الوصول إلى السوق بسبب قيود الإنتاج والنقل والتصدير، مع استمرار تأكيد المجموعة الالتزام بالتعويض الكامل.
برنت والمخزونات.. هوامش أمان ضيقة
بلغ متوسط برنت 117.29 دولاراً في أبريل، و107.14 دولاراً في مايو، و85.40 دولاراً في يونيو، و83.76 دولاراً في يوليو، و91.08 دولاراً في أغسطس، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وفي سبتمبر أغلق عقد نوفمبر عند 103.50 دولاراً بمكاسب شهرية تقارب 14%، وظل فوق 100 دولار في 4 أكتوبر.
وفي أغسطس بلغ إنتاج الدول السبع الأساسية في أوبك+ 25 مليون برميل يومياً، أي أقل بنحو 5 ملايين برميل يومياً من مستويات ما قبل الحرب في فبراير.
وأظهرت وكالة الطاقة الدولية تراجع المخزونات النفطية العالمية المرصودة 69 مليون برميل في يوليو وحده إلى أقل بقليل من 7.9 مليار برميل، بانخفاض نحو 410 ملايين برميل منذ بداية الحرب، بمتوسط 2.7 مليون برميل يومياً.
وقال الرئيس التنفيذي لأرامكو أمين الناصر في أكتوبر إن المخزونات التجارية العالمية بلغت نحو 6 مليارات برميل، وإن جزءاً كبيراً منها غير متاح عملياً. وأشار إلى أن المخزونات البالغة نحو 7.8 مليار برميل في أغسطس كان نحو 10% منها فقط قابلاً للاستخدام بسهولة وفق تقديره، وأنها تقل بنحو نصف مليار برميل عن مستويات ما قبل الحرب.
الصين والهند.. اتجاهان متعاكسان للطلب
تقدر أوبك متوسط الطلب الصيني في 2026 بنحو 17.12 مليون برميل يومياً، بزيادة 210 آلاف برميل يومياً عن 2025، والطلب الهندي بنحو 5.99 مليون برميل يومياً، بزيادة 250 ألفاً.
في المقابل، قالت أبحاث سينوبك إن الطلب الصيني قد ينخفض في 2026 بنسبة 3.9%، بما يعادل نحو 600 ألف برميل يومياً، في ثالث انخفاض سنوي متتالٍ، مع تراجع متوقع لاستهلاك البنزين والديزل بنسبة 8.7% و11.4%. وفي الهند، تتوقع أوبك نمو الاستهلاك 250 ألف برميل يومياً، كما ارتفعت تدفقات الخام من الشرق الأوسط إليها خلال سبتمبر، مما يعكس أهميتها في امتصاص جزء من البراميل المتاحة في المنطقة.
أسعار أرامكو وتكلفة النقل ترتفعان
بلغت علاوة خام العربي الخفيف لشرق آسيا فوق متوسط عمان ودبي 2.50 دولار للبرميل في أبريل، ثم 19.50 دولاراً في مايو، و15.50 دولاراً في يونيو، و9.50 دولاراً في يوليو. وفي سبتمبر بلغ السعر خصماً قدره 2 دولار واستقر عند المستوى نفسه لشحنات أكتوبر.
ولشحنات نوفمبر، خفضت أرامكو السعر 3 دولارات إضافية إلى خصم 5 دولارات للبرميل، وهو أعمق خصم منذ يونيو 2020. كما خفضت أسعار الخامات الأثقل إلى آسيا 5 دولارات، ورفعت أسعارها لشمال غرب أوروبا، وأبقت أسعار الولايات المتحدة دون تغيير.
والسعر الرسمي للبيع ليس السعر الفوري، وإنما فرق سعري فوق معيار إقليمي يعكس ظروف الطلب والمنافسة وتكلفة وصول الخام. وجاء خفض نوفمبر مع ارتفاع تكلفة نقل الناقلات العملاقة من الخليج إلى الصين إلى نحو 1.2 مليون دولار يومياً مقابل 80 ألف دولار قبل عام، بحسب رويترز.
لماذا توقفت أوبك+؟
ارتفعت حصة السعودية المطلوبة من 10.166 مليون برميل يومياً في أبريل إلى 10.478 مليوناً في سبتمبر، لكن تقديرات إنتاجها ظلت أقل بنحو 3 ملايين برميل يومياً أو أكثر في معظم الأشهر.
وفي سبتمبر، ارتفعت صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط إلى متوسط 18.3 مليون برميل يومياً، متجاوزة مستويات ما قبل الحرب، وفق بيانات كبلر وفورتكسا التي نقلتها رويترز، مدفوعة بدرجة كبيرة بزيادة الشحنات السعودية واستئناف بعض التدفقات العراقية.
لكن ارتفاع التدفقات لم يلغِ القيود اللوجستية، بينما ظل جزء كبير من إنتاج أوبك+ دون مستوياته المستهدفة، وبقيت نحو 2 مليون برميل يومياً من التخفيضات قائمة لمعظم الأعضاء حتى نهاية 2026. لذلك فإن إضافة 188 ألف برميل يومياً أخرى إلى الأهداف ليست بالضرورة ما يحتاجه السوق، الذي باتت المسألة فيه مرتبطة بتحويل الحصة إلى إنتاج ونقل وصادرات فعلية.
قرار 2027 مؤجل
تأجلت مراجعة قدرات الإنتاج التي ستحدد حصص 2027 بسبب الاضطرابات الإقليمية وصعوبة تقييم القدرات المستقبلية، وأصبح متوقعاً اكتمالها في منتصف نوفمبر 2026 وفق رويترز.
وتأتي المراجعة وسط مطالب بعض الدول بإعادة النظر في مستوياتها الإنتاجية وفق قدراتها الحالية، بالتوازي مع موازنة ذلك مع الطلب العالمي وقدرة السوق على استيعاب الإمدادات الإضافية.
وبذلك يبدو تثبيت نوفمبر فترة انتظار محسوبة قبل اكتمال البيانات التي سترسم المرحلة التالية، وليس نهاية سياسة إعادة الإنتاج.
من زيادة الحصص إلى انتظار البرميل الفعلي
تكشف أرقام 2026 أن رفع أهداف أوبك+ لا يعني بالضرورة وصول الكميات نفسها إلى الأسواق. فالسعودية رفعت حصتها إلى 10.478 مليون برميل يومياً، بينما ظلت تقديرات إنتاجها أقل بنحو 3 ملايين برميل يومياً أو أكثر، وتجاوز الفارق بين إنتاجها المعلن وتقديرات المصادر الثانوية مليون برميل يومياً في أغسطس، في وقت تجاوزت فيه الإمدادات الإنتاج المعلن، بما يشير إلى السحب من المخزونات.
ومع تراجع المخزونات وارتفاع تكاليف الشحن وعودة برنت فوق 100 دولار، واختلاف اتجاهات الطلب بين الصين والهند، فإن التوقف للشهر الثاني لا يعني بالضرورة تراجع أوبك+ عن سياسة إعادة الإنتاج، بل انتقالها إلى مرحلة تركز على استقرار طرق التصدير، والطلب الآسيوي، والمخزونات، وخطط التعويض، ومراجعة القدرات لتحديد حصص 2027.






