مكتبة الإسكندرية: صرح ثقافي يحافظ على التراث الإنساني

مكتبة الإسكندرية: صرح ثقافي على البحر المتوسط
تقوم مكتبة الإسكندرية الجديدة بإطلالتها على ساحل البحر المتوسط شمالي مصر بدور “قلعة حضارية” تحافظ على التاريخ والثقافة والتراث. تم افتتاح المبنى في ثوبه الجديد عام 2002 في نفس المكان الذي شهد ميلاد واحتراق المكتبة القديمة التي كانت أهم مراكز العلم والثقافة بالعصر البطلمي.
التأسيس والإحياء
وفقًا لمعلومات رسمية من هيئة الاستعلامات المصرية، أقيمت المكتبة الجديدة على موقع المكتبة القديمة ضمن مشروع لإحياء ذكرى واحدة من أشهر مكتبات التاريخ. طُرحت فكرة الإحياء في أواخر ثمانينات القرن الماضي بدعوة من منظمة اليونسكو، ثم أنشأ الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية. صُمم المبنى على شكل أسطوانة مائلة يغوص نصفه تحت الأرض لحماية المقتنيات من العوامل البيئية، بينما يرتفع ستة طوابق فوق السطح. تُزيّن الجدران الخارجية أحجار granit منحوتة بأحرف من مختلف أبجديات العالم، وتوجد بالقرب منها قبة سماوية ومتحف علمي.
المرافق والأنشطة
تبلغ مساحة المكتبة نحو 80 ألف متر مربع وتستقبل مليون ونصف مليون زائر سنويًا. تصف نفسها عبر موقعها الإلكتروني بأنها ليست مجرد مكتبة بل مجمع ثقافي يضم، além من عدد من المكتبات وقاعات المطالعة، أربعة متاحف: للآثار، للمخطوطات، للرئيس الراحل أنور السادات، وتاريخ العلوم، بالإضافة إلى مركز القبة السماوية العلمي. كما تحتوي على قاعة استكشاف لتعليم الأطفال العلوم، واثني عشر مركزًا للبحث الأكاديمي، وستة عشر معرضًا دائمًا، وأربع قاعات للمعارض الفنية المؤقتة، ومركزًا للمؤتمرات يتسع لآلاف الأشخاص.
دورها في حفظ التراث والفنون
يقول المؤرخ المصري خالد عزب إن مكتبة الإسكندرية تعد بالفعل قلعة لحماية التاريخ والتراث والثقافة والفنون، وتعتبر أهم مؤسسات حفظ التراث عربيًا بكل أشكاله، حتى التراث غير المادي، فقد وثقت المكتبة الأغاني والموسيقى والفن التشكيلي في مشروعات رقمية. يؤكد عزب أن المكتبة مؤسسة علمية وثقافية producon المعرفة وبثها عبر وسائط متعددة ورقية ورقمية، من خلال مشروعات مثل “أرشيف الإنترنت” وموقع “ذاكرة مصر المعاصرة” الذي يضم وثائق وصورا تؤرخ للبلاد في القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي مجال النقوش والخطوط أنشأت المكتبة مركزًا بحثيًا قدم دراسات حول تاريخ الكتابة في العالم مع أرشيفات رقمية للنقوش الأثرية ودراسات توثق الخط العربي وتطوره. وتحرص المكتبة على أن تكون مركزًا للفنون، ما أدى إلى تشكيل أوركسترا خاص بها تشارك في حفلات داخل مصر وخارجها، بالإضافة إلى اقتناء لوحات فنية تشكيلية لفنانين عرب وعالميين تزين ممراتها وردهاتها.
ويشير كبير الأثريين المصريين مجدي شاكر إلى أن المكتبة عبر تاريخها القديم والحديث ليست مجرد مكان لجمع الكتب والقراءة، بل هي معهد علمي وأكاديمي وجامعة ثقافية شاملة، وكانت محط أنظار ومقصد العلماء من مختلف أنحاء العالم. يوضح أن المكتبة القديمة شهدت تصحيح التقويم المصري القديم، وضمت أقسامًا متخصصة في العلوم كالطب والجغرافيا والفنون، بالإضافة إلى متحف علمي. ويضيف أن أي سفينة تعبر المدينة كان يفرض عليها نسخ واستنساخ ما تحمله من كتب ومجلدات قبل السماح لها بالمغادرة، مما منح المكتبة قيمة تاريخية عظيمة بعدد مجلداتها ونظرياتها والعلماء الذين تخرجوا منها. ويذكر أن اتجاه الدولة المصرية في ثمانينات القرن الماضي لإعادة إحياء المكتبة في موقعها الأصلي وبنفس مقوماتها التاريخية جاء ليعيد لها دورها الريادي كقلعة للتاريخ والفنون والثقافة. ويختم بأن حفل افتتاح المكتبة الحديثة الذي حضره مسؤولون كبار ورؤساء، بينهم الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، كان بمثابة “عرس وطني” يشبه إلى حد ما الاحتفالية الأسطورية لافتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.






