حرفي حلبي يتمسك بصناعة الحقائب الجلدية يدوياً في زمن التكنولوجيا والحرب

في حي الجديدة التاريخي بمدينة حلب السورية، لا يزال الحرفي سمير موقّع يواصل حرفة عائلته العريقة في صناعة الحقائب الجلدية يدوياً، متمسكاً بمهنة ورثها عن والده قبل أكثر من ستة عقود.
إرث عائلي يمتد لأكثر من ستين عاماً
تعود بداية هذه المهنة في عائلة موقّع إلى عام 1963، حين افتتح والده أول متجر للعائلة في السوق. وتعلم الأشقاء الستة جميعاً الحرفة من والدهم، قبل أن يبدأ سمير العمل إلى جانب والده وهو طفل صغير عام 1985. وبعد أن ترك الوالد المهنة عام 1990، تولى سمير مع إخوته مسؤولية إدارة المتجر ومواصلة الإنتاج.
ويوضح موقّع في حديث لوكالة الأناضول أن الأدوات والأساليب المستخدمة تغيرت مع الزمن، لكن العائلة تواصل العمل بإصرار للحفاظ على إرث الصناعة التقليدية، وإبقاء هذه الحرفة العريقة حية في وجه المنتجات المستوردة الرخيصة.
تحديات الحرب والتكنولوجيا
تركت الحرب التي شهدتها سوريا أثراً كبيراً على قطاع صناعة الحقائب اليدوية في حلب، كما أضرت بقطاع التصدير. وإلى جانب ذلك، أدى تطور التكنولوجيا والمنافسة الشديدة من المنتجات الصينية إلى انخفاض عدد الورش العاملة في هذه الحرفة داخل المدينة إلى نحو 20 ورشة فقط.
ويشير موقّع إلى أنهم لا يزالون يعتمدون على العمل اليدوي في جزء كبير من الإنتاج رغم التقدم التكنولوجي، حيث يستخدمون المشرط وأدوات القوالب في مرحلة قص الحقائب، بينما يلجأ منتجون آخرون إلى آلات الضغط والليزر. هذا الأسلوب اليدوي يطيل مدة الإنتاج، لكنه يحافظ على الدقة والجودة.
ويضيف أنه لم يتخل عن مهنته طوال سنوات الحرب، واضطر في فترة اشتداد الظروف إلى الإنتاج في مساحة صغيرة داخل حديقة منزله، قائلاً: “الحرب أثرت فينا ماديًا ومعنويًا”.
من التصدير إلى السوق المحلية
قبل الحرب، كانت ورشة موقّع تصدر إنتاجها إلى منطقة جغرافية واسعة. ففي تسعينيات القرن الماضي، كانت تتلقى طلبات منتظمة من العراق والأردن، كما كان تجار من روسيا يأتون شخصياً إلى حلب، وكانت منتجاتهم تصل أيضاً إلى سوق دبي. أما اليوم، فقد تركز الإنتاج بصورة أساسية على السوق المحلية، ويشكل عدم القدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية إحدى أكبر المشكلات التي تواجههم.
ويقول موقّع: “لو أنتجت اليوم 100 حقيبة ولم أجد من يشتريها، فستبقى كلها لدي. فكيف سأعيش حينها؟ لم يعد هناك تصدير على الإطلاق”. ويلفت إلى أن بعض الشباب القادمين من تركيا إلى حلب يزورون ورشته، ويبدون دهشة كبيرة عندما يرون أن الإنتاج لا يزال يتم باستخدام أساليب العمل اليدوي التقليدية.
كفاح يومي للحفاظ على الحرفة
يؤكد موقّع أنهم لم يتخلوا عن مهنتهم رغم محدودية إمكانات الإنتاج، قائلاً: “نكافح قدر استطاعتنا. نواصل العمل حتى نتمكن من تأمين معيشتنا وكسب قوتنا”. ويلفت النظر إلى أن عدد الورش التي لا تزال تمارس هذه المهنة في حلب تراجع بشكل كبير، وأن السوق فقد الكثير من حيويته السابقة.
وفي ختام حديثه، يشير إلى أن عائلته مصممة، رغم كل الصعوبات، على مواصلة حرفة صناعة الحقائب اليدوية التي تناقلتها أجيالها على مدى أكثر من 60 عاماً. وتستمر هذه الحقائب الجلدية الخاصة، التي تصنع بتقنيات الحفر والشق والعمل الدقيق الذي يستمر لساعات، في الحفاظ على أناقتها لسنوات إذا حظيت بالعناية المناسبة.






