مرافد.. نموذج جديد لإدارة البنية التحتية الاقتصادية للرياض

تخفي العاصمة السعودية وراء مبانيها الشاهقة ومراكزها التجارية شبكة متكاملة من المستودعات والشاحنات ومناطق التخزين وإعادة التدوير ومحطات شحن المركبات الكهربائية، وهي عناصر تبدو منفصلة لكنها تشترك في هدف واحد: ضمان استمرار عمل المدينة ونموها.
الاقتصاد الخفي خلف واجهة المدينة
يمكن اعتبار هذه الشبكة “البنية التحتية الاقتصادية” التي تتعامل مع حركة البضائع والمركبات والمواد وتربط بين الإنتاج والتخزين والتوزيع والاستهلاك. ومع التوسع العمراني والاقتصادي السريع للرياض، تزداد أهمية هذه المنظومة. وفقًا للهيئة العامة للإحصاء، احتوت العاصمة في عام 2024 على نحو 6763 مستودعًا تجاريًا مرخصًا بمساحة إجمالية تبلغ 10.7 مليون متر مربع، ما يمثل 55.3% من إجمالي المستودعات التجارية المرخصة في المملكة.
إطلاق مشروع “مرافد” من قبل الرياض القابضة لا يُعتبر مجرد تأسيس شركة جديدة، بل هو نموذج لإدارة هذه الأصول من خلال تطويرها وتشغيلها وربطها بالشراكات والاستثمارات.
الشاحنات والمواقف والشحن الكهربائي
الرياض ليست فقط أكبر سوق استهلاكية ومركزًا إداريًا، بل أصبحت عقدة لوجستية تحتاج إلى بنية واسعة لتخزين السلع وتحريكها. الخطة الوطنية للمراكز اللوجستية تشمل 59 مركزًا تتجاوز مساحتها 100 مليون متر مربع، منها 12 مركزًا لمنطقة الرياض. تعمل وزارة النقل والخدمات اللوجستية على تنفيذ هذه الخطة بهدف إتمامها بحلول 2030، بينما بلغ عدد المراكز اللوجستية المفعلة في المملكة 23 مركزًا وفقًا لأحدث البيانات.
وجود أكثر من ستة آلاف مستودع تجاري مرخص في الرياض يشير إلى شبكة واسعة من نقاط التخزين والتوزيع، ما يجعل الخدمات اللوجستية جزءًا من البنية الاقتصادية اليومية للمدينة. كلما اتسعت هذه الشبكة، ازدادت أهمية تنسيق العلاقة بين المستودعات والطرق والشاحنات ومناطق التوزيع، لأن كفاءة كل حلقة تؤثر على زمن وصول السلع وتكلفة نقلها وتخزينها.
بدلاً من دخول الشاحنات الثقيلة إلى المدينة بصورة عشوائية، حددت الهيئة العامة للنقل مسارات ووجهات منظمة؛ يحدد الدليل الرسمي ثمانية مسارات و59 وجهة مرتبطة بمناطق الجذب اللوجستي في الرياض، مثل مطار الملك خالد، والمنطقة الخاصة اللوجستية المتكاملة، والميناء الجاف، والمدينتين الصناعيتين الأولى والثانية، ومستودعات السلي والمشاعل والدار البيضاء. هذا التنظيم يوضح أن حركة الشاحنات أصبحت مسألة اقتصادية بقدر ما هي مسألة مرورية؛ إذ تحتاج الشاحنة إلى مسار وموعد ومكان انتظار وخدمات، بينما تحتاج المدينة إلى منع تكدسها داخل الأحياء السكنية والتجارية.
لذلك تشمل محفظة “مرافد” مراكز إيواء الشاحنات إلى جانب المراكز اللوجستية والتوزيع، مما يحول مساحة الانتظار من أرض ذات وظيفة محدودة إلى أصل قابل للتطوير والتشغيل وربطه بخدمات أخرى. لا توجد بيانات رسمية حديثة تحدد عدد مراكز إيواء الشاحنات القائمة في الرياض، لذا لا يمكن إعطاء حجم دقيق لهذا السوق، لكن إدراجه ضمن “مرافد” يؤكد دخوله في إطار إدارة الأصول الاقتصادية للعاصمة.
أما المواقف، فهي تقدم مثالًا واضحًا لتحول المساحة الحضرية إلى أصل تشغيلي. مشروع “مواقف الرياض” يهدف إلى إدارة أكثر من 140 ألف موقف مجاني في الأحياء السكنية، بالإضافة إلى أكثر من 24 ألف موقف مدفوع في الشوارع التجارية. في مايو 2026، أعلنت “مواقف الرياض” وصول المواقف المدارة المجانية إلى 17 حيًا، ضمن خطة لتنظيم الوقوف داخل الأحياء والحد من انتقال المركبات إليها من الشوارع التجارية المجاورة.
من الجانب الاستثماري، طرحت “ريمات الرياض” فرصًا للقطاع الخاص لتطوير مواقف خارج الشوارع، ما يعني أن الموقف لم يعد مجرد مساحة مخصصة للسيارة، بل خدمة يمكن إدارتها تقنيًا وتشغيلها واستثمارها.
وهنا تتضح الفكرة التي تقوم عليها البنية الاقتصادية الجديدة: الأرض نفسها تصبح جزءًا من نموذج الأعمال عندما تتحول إلى موقف منظم أو مركز لوجستي أو منطقة متخصصة للشاحنات.
في قطاع شحن المركبات الكهربائية، يتوسع التحول بنفس الشكل. لا تتوفر إحصائية رسمية حديثة بعدد المركبات الكهربائية المسجلة داخل الرياض، لذا لا يمكن قياس الطلب الحضري من خلال رقم واحد، لكن شبكة الشحن تتوسع بوضوح. شركة البنية التحتية للمركبات الكهربائية “إي في آي كيو” تبني شبكة تضم أكثر من 5000 شاحن سريع في المملكة، بينما تظهر شبكتها الحالية 131 شاحنًا في 55 موقعًا عبر ثماني مدن.
في الرياض، وقعت “إي في آي كيو” و”ريمات الرياض” مذكرة تفاهم لتركيب وتشغيل شواحن للمركبات الكهربائية في المدينة، ضمن شراكة تستهدف تطوير البنية التحتية للتنقل الكهربائي. بذلك يصبح موقف السيارة قابلًا للتحول إلى محطة شحن وخدمة، ما يربط بين أصلين كانا منفصلين سابقًا: الموقف والطاقة.
الاقتصاد الدائري ومواد البناء
إذا كانت اللوجستيات تنظم حركة السلع، فإن الاقتصاد الدائري يعيد تنظيم حركة المواد بعد انتهاء استخدامها. من أبرز الأصول في هذا السياق “مدينة تجميع المعادن” المدرجة ضمن محفظة “مرافد”، وتبلغ مساحتها 2 مليون متر مربع وتضم 414 وحدة، ويستهدف المشروع تجميع المعادن وفرزها وكبسها وإعادة التعامل معها ضمن بيئة أكثر تنظيمًا.
لا يوجد رقم رسمي حديث لإجمالي كميات المعادن والخردة التي يعاد تدويرها في الرياض، لذا لا يمكن تحويل المشروع إلى نسبة من سوق التدوير بأكمله.
أما مخلفات البناء والهدم، فهناك مبادرات عملية حديثة: بدأت أمانة منطقة الرياض والهيئة العامة للطرق استخدام نواتج هدم المباني في الخلطات الإسفلتية المستخدمة في طرق العاصمة، ضمن توجه نحو الاقتصاد الدائري. وتستهدف المملكة إعادة تدوير 60% من مخلفات البناء والهدم بحلول 2035.
وفقًا للهيئة العامة للطرق، فإن إعادة استخدام الركام في الطرق تقلل الاعتماد على المواد الأولية وقد تسهم في خفض تكاليف إنشاء وصيانة الطرق.
لا يوجد رقم حديث رسمي يمكن من خلاله تحديد إجمالي مخلفات البناء والهدم المنتجة في الرياض حاليًا، لذا لا تُستخدم التقديرات التاريخية القديمة باعتبارها أرقامًا تمثل 2026.
تمثل مواد البناء والخرسانة حلقة أخرى في هذه المنظومة، خصوصًا مع استمرار التوسع العمراني والمشروعات الكبرى. لا تنشر الهيئة العامة للإحصاء رقمًا حديثًا يمثل إجمالي إنتاج الخرسانة ومواد البناء في مدينة الرياض، لذا لا يمكن تحديد حجم هذا السوق محليًا بدقة من خلال رقم واحد.
لكن “مرافد” تضع تجمعات مواد البناء والخرسانات ضمن أصولها ومشروعاتها، إلى جانب مدينة تجميع المعادن ومركز الخدمات اللوجستية وإيواء الشاحنات. القيمة هنا في تجميع الأنشطة المرتبطة في مواقع متخصصة، مما يسمح بإدارة أفضل للأرض والخدمات وحركة المركبات، بدل انتشار الأنشطة الثقيلة داخل النسيج الحضري.
ماذا تضيف “مرافد” إلى هذه المعادلة؟
وفقًا لإعلان الرياض القابضة، تعمل “مرافد” عبر ثلاثة قطاعات رئيسية: اللوجستيات والتنقل، والتجمعات الصناعية، والاقتصاد الدائري. تشمل محفظتها أصولًا ومشروعات قائمة وتحت التطوير، مثل مدينة تجميع المعادن، ومركز العريجاء، ومركز الشرق، ومواقف النخيل، ومواقف الصحافة، وتجمعات مواد البناء والخرسانات، ومراكز إيواء الشاحنات، كما تستهدف استخدام الأنظمة الرقمية في إدارة الأصول ومتابعة الأداء ورفع الكفاءة التشغيلية.
التحول الأهم هو أن كل خدمة لم تعد تعمل بشكل منفرد، بل يمكن النظر إليها كأجزاء من محفظة اقتصادية واحدة: المستودع يرتبط بالشاحنة، والشاحنة بمركز الإيواء، والموقف بمحطة الشحن، ومخلفات البناء بقطاع الطرق، والمعادن بسلاسل إعادة التدوير.
تقول الرياض القابضة إن نموذج “مرافد” يقوم على تطوير المشاريع وإدارة وتشغيل الأصول وبناء الشراكات الاستراتيجية واستقطاب الاستثمارات.
لا توجد حتى الآن قيمة رسمية معلنة لإجمالي استثمارات “مرافد” الحالية أو المستقبلية، ولا رقم موحد لقيمة الشراكات التي تستهدفها الشركة؛ لذا لا يصح وضع تقدير مالي لها.
من تكلفة تشغيلية إلى أصل استثماري
تكشف هذه التحولات عن تغير في طريقة التعامل مع المدينة، فالمستودع لم يعد مجرد مساحة تخزين، ومركز الشاحنات ليس مجرد موقف، والموقف ليس مساحة فارغة على جانب الطريق، ومخلفات البناء ليست بالضرورة نهاية دورة المادة، ومدينة المعادن ليست مجرد منطقة لنشاط ثقيل.
عند وضع هذه الأنشطة في مواقع متخصصة وتدار بالتقنية وتفتح للشراكات، يمكن أن تتحول من تكلفة تشغيلية على المدينة إلى أصول ذات قيمة اقتصادية.
لا يعني ذلك أن كل مشروع سيحقق خفضًا مباشرًا ومحددًا في تكلفة تشغيل الرياض؛ فهذا يحتاج إلى دراسات مالية وتشغيلية لكل أصل. لكن التنظيم نفسه يمكن أن يرفع كفاءة استخدام الأرض، ويحد من الحركة غير الضرورية، ويحسن توزيع الأنشطة، ويفتح المجال أمام استثمارات خاصة في خدمات كانت تُدار سابقًا بصورة مجزأة.
في هذا السياق، فإن أهمية “مرافد” لا تكمن فقط في الأصول التي تديرها اليوم، بل في الفكرة التي تمثلها: أن المدينة تحتاج إلى اقتصاد يعمل خلف واجهتها، وأن هذا الاقتصاد يمكن تنظيمه وتطويره وطرحه للاستثمار مثل أي قطاع آخر.
الرياض التي تتوسع أفقيًا وعموديًا تحتاج إلى ما هو أكثر من المباني والطرق؛ تحتاج إلى منظومة تجعل البضائع تتحرك، والشاحنات تتوقف في المكان المناسب، والمواقف تعمل بكفاءة، والسيارات الكهربائية تجد طاقتها، ومخلفات البناء تدخل دورة إنتاج جديدة، والمعادن تنتقل من الخردة إلى مادة قابلة للاسترداد.
بهذا يتحول ما كان يُنظر إليه باعتباره “خدمات خلفية” إلى جزء من اقتصاد المدينة نفسه.






