إعادة تعريف الكرم: من الطعام إلى قيم أعمق

في البدء أصرح — ومعذرة على الوضوح المبكر — إن مجتمعنا اختزل معنى الكرم كله في خروفٍ مسكين! словно لا يُثبت الجود إلا بشهادة وفاة من المسلخ، ولا تُقاس المروءة إلا بعدد الأطباق على المفرش، وكأن التاريخ لم يخلد حاتم الطائي — رحمه الله — إلا لبراعته في الذبح.
أبعاد الكرم المتعددة
أنا لا أدعو إلى البخل، فالذي يبخل لا يحبه حتى هو نفسه، لكنني أدعو إلى توسيع دائرة العطاء بعيداً عن باب المطبخ. حصرت عشرين باباً للكرم تكفي لهذا النقاش:
أولاً: كرم الوقت — إعطاء جزء من يومك لمن يحتاج إلى أذنٍ صاغية وليس إلى مال. الوقت أثمن من الذبيحة لأن الأخير يُشترى بينما الأول لا يُشترى.
ثانياً: كرم المشاعر — إظهار الحب والتقدير والامتنان لمن حولك؛ فكم من شخص أطعم الناس لحمًا وأجاع أهله من كلمةٍ طيبة!
ثالثاً: كرم التغافل — غض الطرف عن زلات الأهل والأصدقاء؛ فقد قالوا إن تسعة أعشار العقل تغافل، وأنا أقول إن تسعة أعشار العلاقات تغافل.
رابعاً: كرم العلم — نشر المعرفة ودليل الآخرين عليها، لا احتجازها كسلعة ينتظر التاجر ارتفاع سعرها.
خامساً: كرم الابتسامة — أرخص وأقل تكلفة وأكثر ندرة؛ لو بيعت بالكيلو لخلت الأسواق من المشترين.
سادساً: كرم الكلمة الطيبة — قول الخير وترك الجرح الذي قد يدمي لسنوات.
سابعاً: كرم الاعتذار — uttering “خطأت” بكلمتين؛ بعض الرجال يفضلون ذبح عشرين خروفًا على نطقها.
ثامناً: كرم النصيحة — تقديم مشورة صادقة لمن طلبها فقط؛ النصيحة غير المطلوبة تُعتبر في العُرف الحديث فضولاً.
تاسعاً: كرم المدح — الإشادة بإنجاز الآخر علناً؛ هذا صعب على النفس لأن اللسان يثني على الميت أسرع من الحي، ويمتد إلى مواقع التواصل حيث نعجب ونعيد نشر ما نرضى عنه.
عاشراً: كرم الإصلاح — السعي بين المتخاصمين لتقريب وجهات النظر، لا نقل الأخبار لزيادة التوتر.
الحادي عشر: كرم الاحترام — توقير الكبير وتقدير الصغير بغض النظر عن المنصب أو عدد المتابعين.
الثاني عشر: كرم الدعاء — الدعاء بظهر الغيب للأهل والأصدقاء والمسلمين جميعًا؛ لا يكلف شيئًا ولا يعلمه أحد.
الثالث عشر: كرم الاستضافة الفكرية — استضافة رأيٍ يخالفك في عقلك، ليس فقط في مجلسك؛ كثير منا يفتح بيته للضيوف ويغلق عقله بالضبة والمفتاح!
الرابع عشر: كرم الصبر — تحمل طباع الناس الصعبة بالحلم والأناة.
الخامس عشر: كرم الجوار — تفقد الجار، معاونته، وحفظ غيبته؛ اليوم يشارك الجيران الجدار ولا يشاركون السلام.
السادس عشر: كرم الوفاء بالوعد — الالتزام التام بالعهد حتى لو كان على حساب المصلحة؛ هذا يكفي لتمييز الرجال.
السابع عشر: كرم إفشاء السلام — بدء التحية بكل من عرفت ومن لم تعرف لزرع الطمأنينة في الطرقات.
الثامن عشر: كرم التيسير — التساهل في البيع والشراء، والرفق بالمعسر، والنظر إلى الميسرة.
التاسع عشر: كرم الإنصات — إعطاء المتحدث كامل انتباهك دون مقاطعة؛ أزمتنا الكبرى أننا لا نستمع بل ننتظر دورنا في الكلام.
العشرون: كرم إماطة الأذى — تنظيف الطريق ورفع الضرر عن مسارات الناس، كرماً مع الأرض التي تحملنا.
مظاهر الكرم المفرطة
بعد ذلك ألاحظ ملاحظات على كرمنا المعاصر:
أولاً: الهياط! تحول الكرم إلى استعراض ووليمة تُقام أساساً للكاميرا؛ الطعام يُصور أولاً ثم يُؤكل إن بقي شيء، فانتقل الجود من قلب الكريم إلى معرض الصور.
ثانياً: الإكراه في الدعوة — يُقسم بالأيمان المغلظة على الضيف أن يأكل، وقد قيل “إكرام النفس هواها”؛ لذا فإن الكرامة الحقيقية أن تدع الضيف وشأنه.
ثالثاً: تحميل الإنسان فوق طاقته — العرب تقول “المعروف رِقّ، وردّه عتق”؛ فمعروف ثقيل يحول الصديق إلى دائن والمكرَّم إلى أسير.
رابعاً: الحرج الاجتماعي — يتهرب بعض الرجال من المناسبات ليس كرهًا للناس بل لعدم القدرة على تكلفة الردّ بذبيحة؛ così يتحول الكرم إلى سباقٍ يقصي الفقير.
خامساً: انتهى زمن الكرم الغذائي — نحن في وطن عظيم — السعودية — تتوفر فيه آلاف المطاعم المتميزة وكل حي فيه مطبخ يفوق مهارتك؛ فلماذا نهق الزوجة والأولاد ثلاثة أيام لأجل عشاء ينتهي في ثلاثين دقيقة؟
سادساً: المفهوم المغلوط لـ “القيام بالواجب” — قول الضيف “لم نقم بالواجب” يشعره بأنه ثقيل لم يُوفَّ حقه بينما قد يكون قد شبع حتى عجز عن القيام؛ والواجب في الحقيقة عبادة وليست وليمة.
الكرم الحقيقي بعيداً عن المائدة
حسناً، ما بقي؟ يبقى أن أقول: الكرم ليس فاتورة، ولا وزناً باللحم، ولا صورة في مجموعة على الواتساب. الكرم سعة في النفس قبل أن يكون سعة على المائدة.
هذا ما أراه، وهذه فكرتي عن الكرم… فما فكرتكم أنتم؟
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



