الرئيسيةالرياضةتأخرت في رؤيته... اعتذار متأخر لأسطورة...
الرياضة

تأخرت في رؤيته... اعتذار متأخر لأسطورة لا يحتاج اعتذار أحد

06/07/2026 11:00

لم أكن ضمن من شاهدوا «ليونيل ميسي» باكراً، بل تكررت مشاهدتي له مراراً دون أن أراه حقاً. ظللت أتابع مبارياته وأهدافه وأرقامه المتساقطة كأوراق الخريف، لكن ثمة حجاباً حال دون رؤية الصورة المكتملة. ربما لأن زاوية نظري كانت محكومة بنافذة الصراع القديم بين ريال مدريد وبرشلونة، أو لأن سحراً آخر استحوذ عليّ، سحر ذلك النمط من العظمة الذي تجعل الأرض ترتجف تحت أقدام صاحبه، ويملأ المشهد هيبة وإبهاراً وصخباً.

سقوط الجدران وكشف الحقيقة

ومع مرور الوقت غادر الجميع مواقعهم السابقة، وانهارت الحواجز الفاصلة بين الواقع والانطباع. صرت أنظر إلى البرغوث الأرجنتيني مجرداً من ألوان القمصان والشعارات والخصومات، لأدرك أنني حرمت نفسي لسنوات من الاستمتاع بأعظم ما أنجبته ملاعب المستديرة المجنونة. لم يتغير ترتيب الأفضلية لدي، فدييغو أرماندو مارادونا يبقى اللاعب الذي لا أرى له نظيراً، وكريستيانو رونالدو يظل أحد أعظم صانعي الانتصارات وأبطال التحديات. لكن ميسي فرض على الجميع حقيقة لا مناص منها: إنه أكثر لاعبي كرة القدم اكتمالاً.

فلسفة اللعب: المشي قبل الركض

الملك ليو لا يشبه معظم النجوم. إنه لا يركض كثيراً ولا يستهلك طاقته في مطاردة الهواء، ولا يتنقل في أرجاء الملعب ليبرهن للجميع أنه يعمل. في كرة القدم حيث يخلط كثيرون بين الحركة والعمل، وبين الجهد والجدوى، يبدو ميسي وكأنه تلميذ من مدرسة لا يعرفها إلا القليل. يمشي أكثر مما يركض، يصمت أكثر مما يستعرض، ويفكر أكثر مما يتحرك.

الرؤية قبل الحركة

فيما تنشغل العيون بمتابعة الكرة، يكون هو منشغلاً بقراءة ما لا تراه العيون. تكفيه نظرات خاطفة ليفرز المساحات، ويحدد مواقع المدافعين، ويقيس زوايا التمرير، ويرسم مسار الهجمة قبل ثوانٍ طويلة من ولادتها. وحين يقرر التحرك يتغير كل شيء، فتهب عاصفة مفاجئة داخل الملعب. قلوب الجماهير تسبق أجسادها إلى الوقوف، والمدافعون يشعرون بالخطر قبل أن يحددوا مصدره، ويدرك زملاؤه أن لحظة مختلفة بدأت للتو. إنه لا يلعب بالكرة فقط، بل يلعب بالوقت والمسافة والإدراك، ويوظف عقله كما يوظف قدمه اليسرى.

الدهشة معيار المتعة

كثير من اللاعبين يمتلكون مهارات كروية استثنائية، أما هو فكان يمتلك أيضاً مهارات ذهنية استثنائية. ولهذا بدت بعض لمساته وكأنها تحدث قبل أن يفكر الآخرون فيما سيحدث أصلاً. كان يرى ما لا يراه غيره، فيصل إلى الأماكن الصحيحة في الوقت الصحيح، ويتخذ القرار الصائب بالسرعة الدقيقة، ويحول أكثر الألعاب تعقيداً إلى مشهد بالغ البساطة. ولهذا أيضاً كانت متعته مختلفة، فالمتعة عند بعض اللاعبين تأتي من استعراض المهارة، أما عنده فكانت تأتي من الدهشة. تلك الدهشة التي تجعلك تتساءل: كيف مرر هذه التمريرة؟ وكيف فكر في هذا الحل؟ وكيف وجد هذا المخرج من بين كل هذه الأقدام؟

الصورة المكتملة في 2026

ثم جاءت كأس العالم 2026، ولم تكن البطولة مجرد ميدالية جديدة يمكن أن تعلق في عنقه، بل كانت القطعة الأخيرة التي أكملت الصورة. حينها أصبح من الظلم البحث عما ينقصه، لأن الـ GOAT جمع ما يكفي من العبقرية والبطولات والمتعة والاستمرارية ليجلس في المكان الذي يستحقه بين أعظم من لمسوا الكرة.

اعتراف متأخر

كتبت عنه قبل سنوات أنه لاعب عملاق ومهمته صناعة المتعة والفوز بالذهب. واليوم أضيف شيئاً آخر: لقد اكتشفت متأخراً أن متعة ميسي لم تكن في ما يفعله بالكرة فقط، بل في الطريقة التي يفكر بها قبل أن يفعل أي شيء. ولهذا أكتب هذه الكلمات باعتبارها اعتذاراً متأخراً، ليس له فهو لا يحتاج اعتذاري ولا اعتذار أحد، بل أكتبها لنفسي لأنني تأخرت كثيراً في رؤية لاعب عظيم جداً، وتأخرت أكثر في الاستمتاع بمعجزة كروية لن تتكرر كثيراً في تاريخ هذه اللعبة الجماهيرية الفاتنة. أما الخلاف حول من هو الأفضل فسيظل قائماً ما بقيت كرة القدم، لكن ما لم يعد محل نقاش لدي أن ليونيل ميسي كان واحداً من تلك النماذج النادرة التي لا تكتفي بصناعة المجد، بل تعيد تعريف اللعبة نفسها، وتترك للأجيال التالية مهمة البحث عبثاً عن نسخة أخرى منها.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *