الإعلام الرياضي بين المهنية وضجيج الترند: أزمة تحليل أم تجارة عاطفة؟

لم يعد المدرج الرياضي يقتصر على كونه فضاءً للمشجعين يموج بالهتافات والانفعالات، بل امتدت هذه الحالة، للأسف، إلى المنصات الإعلامية، حيث حلَّ “الصراخ العاطفي” محل “التحليل المنطقي”، وتحولت لغة الأرقام والمراجعة الفنية إلى مناكفات لا تثري الوعي ولا تخدم الرياضة.
من المدرج إلى الشاشة: سطوة العاطفة على التحليل
ليست المشكلة في أن بعض الإعلاميين يميلون لفريق بعينه، فالتعاطف الإنساني أمر موجود ومقبول في أي مجال. المشكلة الحقيقية تكمن في أن هذا الميل تحول من نزوة خاصة يُحاول المرء إخفاءها إلى هوية مهنية يُتفاخر بها، حتى أصبح التعصب أسلوبًا والانحياز عنوانًا للشخصية الإعلامية.
الإثارة سلعة: حين يصبح الصراخ معيار النجاح
إذا تأملنا المشهد بموضوعية نجد أن ما يحدث ليس انزلاقًا عارضًا، بل استجابة مدروسة لمنطق السوق: المقطع الصاخب يحصد مزيدًا من المشاهدات، والتصريح المثير يُتداول على نطاق أوسع، والمواجهة الكلامية تصنع “ترندات” أسرع بكثير من التحليل الرصين الذي يستغرق وقتًا وجهدًا لفهمه. وبهدوء ودون إعلان رسمي، استُبدل معيار الجودة بمعيار الانتشار، وأصبح نجاح البرنامج يُقاس بعدد التعليقات الغاضبة لا بعمق المحتوى المقدم. والأخطر أن هذه المعادلة تكافئ المثير وتعاقب المتميز؛ فالمحلل الذي يتأنى في تفكيك تكتيك أو قراءة إحصاءات يجد نفسه في مواجهة غير متكافئة مع زميل يطلق حكمًا قاسيًا على مدرب أو لاعب، فيحصد الأخير الضجة ويختفي الأول في الظل.
المسافة الذهنية: جوهر المهنة في زمن الانحياز
يتحدث كبار الصحفيين الرياضيين عالميًا عن مفهوم “المسافة الذهنية”، وهي ليست برودًا أو لا مبالاة، بل القدرة على حب الرياضة مع الحكم عليها بعقل لا يستأذن القلب قبل إبداء الرأي. جوهر العمل الإعلامي هو هذه المسافة التي تسمح للصحفي أو المحلل برؤية المشهد بوضوح بعيدًا عن ضغوط الانتماء. لكن ما نراه اليوم في العديد من البرامج الرياضية هو ذوبان هذه المسافة، إذ تحول الميكروفون إلى أداة لتصفية الحسابات أو استمالة الجماهير، مما أدى إلى تغييب العقل وتغذية التعصب وسطحية الطرح.
الرياضة السعودية تستحق خطابًا إعلاميًا رصينًا
بينما تحقق الرياضة السعودية قفزات نوعية على المستوى العالمي، ينبغي للخطاب الإعلامي أن يواكب هذا الرقي. الإعلامي ليس مجرد ناقل للخبر، بل صانع للوعي وشريك في التنمية الرياضية. الاستمرار في نهج “إعلام المشجع” لا يضر بسمعة المؤسسات الإعلامية وحسب، بل يعطل الجهود الرامية إلى تطوير بيئة رياضية احترافية. لذلك، الحل ليس في قمع العاطفة فالرياضة بطبيعتها شغف، بل في تهذيب هذه العاطفة ضمن إطار المهنية. نحتاج إلى إعلام يميز بين المحلل الذي يشرح لماذا حدث أمر ما بعيدًا عن الميول، والناقد الذي يشخص الخلل بغرض الإصلاح لا التشهير، والمشجع الذي مكانه الطبيعي هو المدرج وليس كرسي التحليل. الكلمة أمانة، ومسؤولية الإعلامي تكمن في كونه مرآة تعكس الواقع بصدق، لا بوقًا يردد صدى المدرجات. الرقي بالرياضة يبدأ بكلمة مسؤولة وطرح متزن وعقل يسبق العاطفة. الرياضة بحاجة إلى من يحبها بعقله، لا من يتاجر بها بصوته.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



