التكلف الاجتماعي: لماذا نخشى البساطة في مناسباتنا؟

التكلف الاجتماعي: لماذا نخشى البساطة في مناسباتنا؟

في نسيج العادات الاجتماعية العربية، تبرز تفاصيل دقيقة تعكس قيم الكرم وحفاوة الاستقبال، وهي سمات يفتخر بها المجتمع. غير أن هذه التفاصيل، مع مرور الزمن، قد تتحول من تعبير صادق عن التقدير إلى عبء ثقيل، حيث يرى البعض أن الإفراط في التجهيزات أصبح ضرورة لتجنب اتهام النفس بالتقصير.

البساطة في ميزان النظرة المجتمعية

يرى الكاتب، أ.د. رياض بن حمد العمري، أن المشكلة تكمن في كيفية تقييم المجتمع لمفهوم البساطة ذاتها. فهي غالباً ما تُفهم خطأً على أنها نقص أو عدم اكتراث، رغم أن الكرم الحقيقي لا يُقاس بكثرة ما يُقدم. فاللقاء الودي الذي يغمره الدفء، والهدية المتواضعة التي تحمل معنى صادقاً، والمناسبة الهادئة التي تلامس القلوب، كلها قد تكون أعمق أثراً من الولائم الضخمة والتفاصيل المرهقة. وغالباً ما تظل في الذاكرة صورة الحفاوة والاهتمام أكثر من تفاصيل المائدة نفسها.

اقرأ أيضاً: لقاء خاص مع أبيار آل الشيخ | فتاة سعودية بين الطموح والهوى.. رحلة أنثى تبحث عن ذاتها في زمن مزدحم بالأسماء

المقارنة والتكلف: دوامة اجتماعية

تزيد وسائل التواصل الاجتماعي من حدة المقارنة بين الناس. فمع مشاهد الولائم الفاخرة والهدايا الباهظة التي تملأ الشاشات، يرتفع سقف التوقعات تدريجياً، حتى يصبح ما كان اختيارياً بالأمس أمراً ملزماً اليوم. هذا التكلف له تكلفة باهظة؛ إذ قد تتحول الزيارة البسيطة إلى حدث كبير يتطلب استعداداً طويلاً وتكاليف مرتفعة، مما يثقل كاهل المضيف ويجعل التواصل الاجتماعي أكثر ندرة.

اقرأ أيضاً: لماذا قد يكون افتراض صحة فكرة خصمك أكثر إقناعاً من دحضها؟

الزيارة السهلة أم الاستعداد المرهق؟

وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله بقوله: “إنما تقاطع الناس بالتكلف؛ يزور أحدهم أخاه فيتكلف له، فيقطعه ذلك عنه”. فاللقاء الذي لا يحتاج إلى تكلف يكون أقرب إلى التكرار وأكثر عفوية، مما يحافظ على استمرارية العلاقات دون تحويل كل زيارة إلى مناسبة تحتاج إلى تخطيط وجهد. وهذا لا يعني التخلي عن الكرم، بل جعله أكثر قرباً للناس وأبعد عن المبالغة.

اقرأ أيضاً: تحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والمالية لضمان استدامة الشركات

التوازن في الإنفاق هو الكرم الحقيقي

يؤكد الكاتب أن التوسط في الإنفاق هو السبيل الذي وصف الله به المؤمنين في قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾. فالكرم لا يحتاج إلى مبالغة، كما أن البساطة لا تعني التقصير. الخلاصة، ليست المسألة في حجم ما نقدمه، بل في ألا تتحول التفاصيل إلى حاجز بين الناس، وألا يصبح التواصل مرهوناً بما يسبقه من استعداد وكلفة. كثير من اللقاءات الجميلة تُؤجل فقط لأننا نستحي من البساطة، وهذا ما ينبغي أن نعيد النظر فيه.

المزيد في قسم كتاب و آراء

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *