الرئيسيةكتاب و آراءعزلة النجاح: لماذا يختفي الصادقون من...
كتاب و آراء

عزلة النجاح: لماذا يختفي الصادقون من حولك مع كل درجة ترتفعها؟

21/08/2026 13:00

كلما صعد الإنسان في السلم الاجتماعي والمكانة، تضاءلت أعداد من يجرؤون على المكاشفة والصراحة في وجهه. في بداية مسيرته، يحاط بأشخاص يخبرونه مباشرة بموضع خطئه، سواء كان صديقاً قديماً أو زميلاً أو أخاً لا يخشى من العواقب. لكن مع تراكم الخبرة وبلوغ المناصب والوجاهة، يلاحظ المرء أن كل ما يقوله يُستقبل بالموافقة، وأن آراءه تلقى إعجاباً لم تكن تحظى به من قبل.

وهم نضج الرأي

الغريب في الأمر أن أكثر الناس يفسرون هذه الظاهرة تفسيراً خاطئاً، فيعتقدون أن آراءهم قد نضجت. لكن الحقيقة أن المصارحين قد انسحبوا بهدوء. فالشفافية والصراحة سلعة غالية الثمن يتحمل تكلفتها من يقولها لا من يسمعها. والذي يجرؤ على مصارحة صاحب موقع وسلطة يخاطر بعلاقة، أو بفرصة، أو براحة البال على أقل تقدير. وإن صادفه ضيق مرة واحدة بسبب صراحته، فإنه يتعلم الدرس ويغلق الباب إلى الأبد.

أما المجاملة فلا تحتاج إلى تكلفة، وعوائدها مؤكدة: كلمة إعجاب لا تخسر بها شيئاً وقد تربح بها الكثير. وهكذا يجد الإنسان نفسه محاطاً بأشخاص اختاروا الخيار الآمن، لأن حسابات الربح والخسارة تسري في العلاقات الإنسانية كما تجري في الأسواق التجارية.

غرفة العزلة المحاطة بالتصفيق

هذه المعادلة هي ما يفسر مشهداً نراه ولا نفهمه: رجل واسع الخبرة يتخذ قراراً يبدو من الوهلة الأولى خاطئاً لكل من حوله، ثم يقع ما توقعه الجميع. فيتساءل الناس: كيف لم ينتبه؟ والجواب أنه لم ينتبه لأن لا أحد أخبره، وأكثر من كانوا حوله كانوا يعرفون الحقيقة لكنهم التزموا الصمت. لقد تحول الرجل إلى إنسان يعيش في غرفة معزولة عن الأصوات المزعجة، يدخلها التصفيق والثناء ولا يدخلها التحذير، فيفاجأ وحده بالنتيجة الكارثية.

والأدهى من ذلك أن هذا الإنسان يساهم دون أن يدري في بناء هذه الغرفة بنفسه. فكل مرة يشعر فيها بالضيق من ملاحظة، أو يرد على منتقد بجفاء، أو يكافئ من يوافقه ويبعد من يخالفه، فإنه يوجه رسالة واضحة لمن حوله: الصدق هنا مكلف. ثم بعد سنوات يشتكي من أن الناس يجاملونه، وهو من علمهم أن المجاملة هي السبيل الأسلم. ولهذا يقال إن كل قائد يستحق البطانة المحيطة به، لأنه هو من دربها بردود أفعاله على ما يسمعه.

هدية العيوب على طريقة عمر بن الخطاب

لقد أدرك عمر بن الخطاب هذا المعنى بعمق حين قال كلمته الشهيرة: “رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي”. تأمل كلمة “أهدى” التي جعلت النقد هدية تشكر لا إساءة تحتمل. هذا التصنيف وحده يقلب المعادلة رأساً على عقب، فمن يستقبل الملاحظة على أنها هدية يحفز من حوله على تقديم المزيد منها، ومن يستقبلها كأنها هجوم يقطع الطريق على أصدق الناس إليه ويبقي حوله أضعفهم.

المنطقة العمياء: أن ترى نفسك من الخارج

المشكلة أن الإنسان لا يستطيع أن يرى نفسه من الخارج مهما بلغ ذكاؤه. كلنا نمتلك منطقة عمياء لا تظهر لنا ومع ذلك تظهر بوضوح لكل من يجالسنا: نبرة صوت تجرح ونحن نحسبها حزماً، عادة تزعج الآخرين ولا ننتبه إليها، أسلوب في الحوار يغلق الأبواب ونظنه وضوحاً. هذه المنطقة لا يمكن كشفها بالتأمل الذاتي ولا بكثرة القراءة، بل لا يكشفها إلا صوت خارجي صادق. ومن أغلق هذا الصوت فقد اختار أن يعيش بنصف صورة عن نفسه.

المخرج من هذه المعضلة بسيط في وصفه لكنه صعب في تطبيقه: على الإنسان أن يصنع لنفسه دائرة صغيرة محمية من عواقب الصدق، مجموعة من الأشخاص يعرفون أنهم لن يخسروا شيئاً حين يقولون ما يرونه. اثنان أو ثلاثة يكفون. ثم يختبر نفسه اختباراً قاسياً: متى آخر مرة قال له أحدهم شيئاً لم يعجبه؟ فإذا طال العهد بذلك، فهذا لا يعني أن أخطاءه انتهت، بل يعني أن المصارحين رحلوا.

أخطر ما في هذه العزلة أنها لا تشعر صاحبها بشيء؛ إنها عزلة مريحة محاطة بالثناء ومليئة بالناس. يعيش المرء فيها ويزداد يقيناً بصوابه كل يوم، بينما تزداد صورته الذاتية بعداً عن حقيقته. ولهذا كان أثمن ما يملكه الإنسان في هذه الحياة صديقاً واحداً لا يخاف منه ولا يطمع فيه، لأن مثل هذا الصديق هو المرآة الوحيدة التي تريك وجهك كما هو حقيقة لا كما تحب أن يكون.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *