الرئيسيةكتاب و آراءعبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ: الأيديولوجيا...
كتاب و آراء

عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ: الأيديولوجيا تحول صاحبها عن البحث عن الحقيقة إلى التفتيش عن أدلة تؤيده

10/08/2026 11:00

يصف عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ أخطر ما تفعله الأيديولوجيا بالإنسان، فهي لا تمنحه أفكاراً يؤمن بها فحسب، بل تقدم له نتيجة جاهزة، ثم تدفعه للبحث عن أدلة تثبتها. وهنا ينقلب معنى البحث تماماً.

الباحث الحقيقي والمؤدلج: مساران مختلفان

فالباحث الحقيقي يبدأ بسؤال، ثم يذهب إلى المعلومات، ويقبل أن تقوده إلى إجابة لم يكن يتوقعها. أما المؤدلج فيبدأ بالإجابة، ثم يفتش في العالم عن كل ما يسمح له بالعودة إليها. إن وجد خبراً يؤيد موقفه، نشره قبل أن يسأل عن مصدره، وإن وجد دراسة توافقه، أصبحت «دليلاً علمياً»، وإن وجد رقماً يخدمه، اقتطعه من سياقه. أما إذا واجه خبراً صحيحاً يهدم روايته، بدأ فجأة يطالب بالتثبت، وإذا ظهرت دراسة تناقضه، ناقش الجهة التي أصدرتها، وإذا جاءت الأرقام ضده، شكك في طريقة جمعها.

الانحياز التأكيدي وتحول الفكرة إلى هوية

المعيار هنا لا يتغير بحسب قوة الدليل، بل بحسب اتجاهه، وهذا هو الانحياز التأكيدي في صورته الأوضح: ألا تبحث عما إذا كنت مخطئاً أو مصيباً، بل تبحث عما يساعدك على البقاء مصيباً في عيني نفسك. ولهذا قد يقرأ شخصان المادة نفسها، ثم يخرج كل واحد منهما أكثر اقتناعاً بما كان يؤمن به قبل أن يقرأها، لم تكن القراءة عندهما رحلة اكتشاف، بل عملية انتقاء، كل واحد أخذ ما يناسب البناء الموجود في رأسه، وترك ما يهدده.

المشكلة تصبح أخطر عندما تتحول الفكرة إلى هوية، عندما لا يعود الإنسان يقول «هذا رأيي»، بل يصبح رأيه جزءاً من تعريفه لنفسه، فإن المعلومة المخالفة لا تعود معلومة، تصبح اعتداءً شخصياً، ونقد الفكرة يصبح نقداً لصاحبها، والاعتراف بخطئها لا يبدو تصحيحاً معرفياً، بل هزيمة نفسية. عندها تبدأ الأيديولوجيا في بناء جهازها الدفاعي الخاص: الدليل المؤيد «حقيقة»، والدليل المعارض «مؤامرة»، الخبير الموافق «مرجع»، والخبير المخالف «مأجور»، المصدر الذي يخدم الرواية «موثوق»، والمصدر نفسه إن نشر غداً ما يناقضها يصبح «مشبوهاً».

دور المنصات الرقمية والخوارزميات في تعزيز الانغلاق

وهكذا يستطيع الإنسان أن يعيش سنوات داخل منظومة فكرية مغلقة، بينما يعتقد أنه يمارس التفكير النقدي. ثم جاءت المنصات الرقمية لتمنح هذه الظاهرة قوة لم تكن تملكها من قبل. الخوارزمية تعرف أنك توقفت أمام محتوى معين، فتقدم لك المزيد منه، تلاحظ أنك تتفاعل مع رأي محدد، فتملأ شاشتك بأصحابه، وبعد أشهر، قد تنظر حولك رقمياً فتجد أن الجميع تقريباً يتفقون معك. فتصل إلى الاستنتاج الأخطر: «إذا كان الجميع يرون ما أراه، فلا بد أنني على حق». لكن الجميع ليسوا الجميع، إنهم فقط الأشخاص والآراء والمقاطع التي نجحت الخوارزمية في جمعها حولك.

الاختبار الأصعب لأي صاحب فكرة

لهذا أصبحت بعض الأيديولوجيات اليوم لا تحتاج إلى منع أتباعها من قراءة الرأي الآخر، يكفي أن تجعلهم لا يصادفونه أصلاً، أو لا يثقون به عندما يصادفونه. وهنا نصل إلى الاختبار الأصعب لأي صاحب فكرة: ليس أن تسأله عن الأدلة التي تؤيد موقفه، فهذا سهل، بل اسأله: «ما الدليل الذي لو ثبت، سيجعلك تغير رأيك؟». إذا استطاع أن يجيب، فما زالت لديه فكرة قابلة للنقاش، أما إذا كانت كل حقيقة مؤيدة تثبت موقفه، وكل حقيقة معارضة يمكن تفسيرها بطريقة تثبت الموقف نفسه، فنحن لم نعد أمام فكرة تبحث عن الحقيقة، بل أمام عقيدة حصّنت نفسها ضد الحقيقة. والفارق بين الباحث والمؤدلج ليس أن الأول بلا قناعات، بل أن الباحث يسمح للحقيقة بأن تهزم قناعته. أما المؤدلج، فيبحث طويلاً، ويقرأ كثيراً، ويجمع عشرات الأدلة، ثم يعود سعيداً إلى المكان نفسه الذي قرر منذ البداية ألا يغادره.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *