الرئيسيةكتاب و آراءالشكر المؤجل.. حين يتحول الجميل إلى...
كتاب و آراء

الشكر المؤجل.. حين يتحول الجميل إلى حسرةٍ وندم

07/08/2026 17:01

بقلم: د. سعود النداح

يمرّ في حياة كلٍّ منا أناسٌ يغيّرون مجرى وجودنا دون أن يدركوا ذلك. فمعلمٌ يُبدي اهتمامًا بتلميذٍ متعثر، فيعيده إلى الصواب، ولا يعود يذكره وسط جموع الطلاب. طبيبٌ يطيّب خاطر مريضٍ بكلمة عابرة، فيقضي تلك الليلة أول نوم هادئ له منذ أسبوعين. رجلٌ يفتح بابًا لشابٍ في مستهل طريقه، فيصبح الشاب بعد عقودٍ في منزلةٍ يحسده الناس عليها. هؤلاء جميعًا مضوا في حياتهم غير عالمين أنهم كانوا سببًا في تحوّل جذري في حياة إنسان.

ويعود السبب إلى أن أثر الفعل لا يبدو واضحًا من موقف فاعله. فالمُحسِن يرى عمله تافهًا؛ لأنه يقيّمه بمعيار الجهد الذي بذله، وقد كان الجهد يسيرًا: دقيقتان من التركيز، أو عبارة جاءت في توقيتٍ مناسب، أو توصية استغرقت دقائق معدودة. أما الطرف الآخر فيقيّمه بمعيار الأثر الذي تركه في حياته، وقد كان ذلك الأثر بمثابة عمرٍ كامل. لذلك يمرّ المُحسِن على إحسانه مرور العابر، بينما تبقى صورته محفورة في ذاكرة الآخر. وعندما يلتقيان بعد سنوات، يسترجع أحدهما كل تفصيلٍ صغير، بينما لا يستحضر الآخر شيئًا.

الشكر المؤجل.. مسافة بين الفعل والأثر

هذه الفجوة بين الفعل وأثره هي ما جعل الشكر عند معظمنا دينًا يتم تأجيله. نُرجئه لا عن جحود، بل لأن حياتنا تسير دائمًا نحو الأمام، فنحاسب الذين أمامنا بدلًا من الذين خلفنا. ثم يتبادر إلى أذهاننا أحدهم في لحظة صفاء، فنعد بأننا سنتصل به يومًا ما، لكن الأيام تمضي بشكل اعتيادي، حتى نسمع من صديق خبرًا، أو تصلنا رسالة في مجموعة قديمة تُعلمنا بأن هذا الرجل قد توفي. عندها فقط يتحول اسمه من مكالمة مؤجلة إلى حسرةٍ وألم.

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشكر للبشر شرطًا للشكر لله، إذ قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». والربط هنا عميق؛ فهو لم يعتبره مجرد فضيلة اجتماعية تُحمد عند حصولها، بل جعله ميزانًا لصدق العلاقة مع الله نفسه. كما قال: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». والدعاء يمثل حلاً حكيمًا لمن لا يملك شيئًا، إلا أن معظمنا يملك وسيلة أبسط منه ولا يقوم بها، وهي أن نخبر الشخص نفسه بما قدمه لنا.

الشكر المتأخر.. أثرٌ في النفس قبل الآخرين

والأمر الأشد إدهاشًا هو أن أثر الشكر المتأخر يظهر على قائله قبل أن يبلغ صاحبه. فالإنسان عندما يجلس ليستذكر أولئك الذين صنعوا إليه معروفًا، يكتشف أن حياته لم تُبنَ بجهده وحده، وأن كثيرًا مما يفاخر به اليوم كان في بدايته مدفوعًا بغير. وهذا الاكتشاف يُهذّب الغرور دون موعظة، ويعلّم المرء أن يمرر الإحسان إلى غيره؛ لأنه أدرك أنه هو نفسه استلمه ولم يصنعه من العدم.

ولو أن كل واحد منا أجرى اتصالًا الليلة بمن يدين له بجميل قديم، لتغيّرت أمور كثيرة في يوم رجلٍ لا يدرك أنه موضع انتظار. فالمعلم الذي بلغ الستين، وظن أن أربعين عامًا من عمره مضت بلا أثر، ستصله رسالة تُخبره بأنه صنع طبيبًا. والرجل الذي فتح بابًا ثم نسي، سيعلم أن ذلك الباب ما زال مفتوحًا بعد عشرين سنة. لا شيء أثقل على النفس من الإحساس بأن المرء عاش بلا تأثير، ولا شيء أخف عليها من رسالة تُثبت العكس.

نحن جميعاً في قوائم بعضنا البعض

وفي المقابل، تذكّر أنك أنت أيضًا في قائمة شخصٍ آخر. لقد مررت بحياة إنسانٍ وأثرت فيها دون أن تدري، وربما ينتظر أحدهم فرصة ليخبرك بذلك وهو لا يجرؤ. وهكذا نعيش جميعًا كدائنين ومدينين في سجلّ لا يظهر منه إلا اليسير. أما الديون التي لا تُسدّد فهي وحدها التي تتحول إلى ندم؛ إذ لا شيء أثقل على الإنسان من شكرٍ أعده في نفسه، ثم أدرك أن صاحبه رحل قبل أن يسمعه.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *