عندما تخترق الموجات الجدران: 6G وتحديات الخصوصية في العقد القادم

طالما اعتقدنا أن إغلاق الهاتف يكفل لنا الخصوصية، وأن إطفاء الكاميرا يحجب صورنا، وأن الجدار يشكل خط الدفاع الأخير بيننا وبين العالم الخارجي. لكننا اليوم على أعتاب تحول تقني قد يعيد تعريف مفهوم “الخصوصية” ذاته.
لم يعد السؤال محصوراً في معرفة ما يجمعه هاتفك عنك، بل أصبح السؤال الأكثر إثارة للقلق: ماذا لو تمكنت الشبكة من معرفة وجودك حتى دون أن تحمل هاتفاً؟
هذا هو الجانب الأكثر حساسية في الأبحاث المتعلقة بالجيل السادس للاتصالات (6G)، الذي من المتوقع أن تبدأ ملامح انتشاره التجاري حوالي عام 2030.
مخاوف من مختبرات ألمانيا
باحثون وخبراء في ألمانيا، من بينهم البروفيسور توبياس كيبر (Tobias Keber) المتخصص في قانون تقنية المعلومات وحماية البيانات، أثاروا المخاوف المرتبطة بتطور قدرات الاستشعار الراديوي في شبكات المستقبل. وهذه المخاوف لا ينبغي التعامل معها كخيال علمي، كما لا ينبغي تضخيمها والقول إن أبراج 6G ستتحول حتماً إلى أجهزة تجسس ترى كل ما يحدث خلف كل جدار.
الحقيقة تقع في منطقة أكثر تعقيداً. أحد الاتجاهات المهمة في أبحاث 6G يُسمى “دمج الاستشعار والاتصالات” (Integrated Sensing and Communication – ISAC). والفكرة ثورية ببساطة: البنية التحتية اللاسلكية التي اعتدنا أن تكون مهمتها نقل البيانات، يمكنها مستقبلاً أداء مهمة إضافية، وهي استشعار البيئة المحيطة من خلال تحليل انعكاسات الموجات الراديوية.
من شبكة إلى عين إلكترونية
هنا يتغير كل شيء. فالإنسان نفسه يعكس الموجات، وحركته تغيرها، ووجوده يؤثر فيها، بل إن الحركات الدقيقة جداً للجسم، مثل حركة الصدر أثناء التنفس، يمكن في ظروف وتقنيات معينة أن تترك بصمة قابلة للتحليل. وهكذا قد ننتقل تدريجياً من شبكة “تتصل بالأجهزة” إلى شبكة تستطيع استنتاج ما يحدث حول الأجهزة وبينها، وهنا تبدأ المشكلة الأخلاقية الكبرى.
معظم فلسفة الخصوصية الرقمية الحالية مبنية على وجود جهاز: هاتف، حاسوب، ساعة ذكية، كاميرا أو حساب إلكتروني. يمكنك إغلاق الهاتف، وتعطيل تحديد الموقع، ورفض إذن الكاميرا، وترك الساعة الذكية في المنزل. لكن ماذا تفعل إذا أصبحت البيئة الاتصالية نفسها قادرة على استنتاج وجودك؟ كيف تقول لموجة راديوية: لا تراقبني؟
هذا السؤال قد يصبح واحداً من أهم أسئلة الحقوق المدنية في العقد المقبل، ومع ذلك، يجب أن نكون دقيقين.
بين الحقيقة والخيال
لا توجد حقيقة علمية اليوم تقول إن برج 6G في الشارع سيستطيع عام 2030 أن “يرى” بالتفصيل ما يفعله كل إنسان داخل غرفة نومه. الاستشعار خلف العوائق تحكمه عوامل شديدة التعقيد: نوع الجدران، المسافات، الترددات، قوة الإشارة، هندسة الهوائيات، كثافة أجهزة الاستشعار، البيئة المحيطة، إضافة إلى قدرة الخوارزميات على فصل الإشارات وتحليلها. هناك فرق كبير بين تجربة ناجحة في مختبر وبين مراقبة ملايين المنازل في مدينة كاملة.
لكن الخطأ الأكبر سيكون استخدام هذه القيود الحالية ذريعة للاطمئنان. فالتاريخ التكنولوجي يعلمنا أن قدرات الأمس المستحيلة تتحول سريعاً إلى منتجات يومية. قبل سنوات قليلة كان التعرف الآلي الدقيق على الوجوه أمراً معقداً، وكانت السيارات ذاتية القيادة تبدو خيالاً، وكان الحديث الطبيعي مع آلة مشهداً من أفلام المستقبل، ثم جاءت الخوارزميات وغيرت قواعد اللعبة. والذكاء الاصطناعي تحديداً هو ما يجعل مستقبل الاستشعار الراديوي أكثر حساسية؛ لأن المسألة لن تعتمد على قوة الموجة وحدها، بل على قدرة الآلة على استخراج أنماط خفية من كميات هائلة من البيانات.
وجه آخر مذهل
لكن لهذه التكنولوجيا وجهاً آخر مذهلاً. تخيل منزلاً يكتشف سقوط مسن وحيد فيطلب النجدة تلقائياً، وتخيل مستشفى يراقب التنفس دون أجهزة معلقة بجسد المريض، وتخيل رجال إنقاذ يستطيعون معرفة وجود ناجين خلف الأنقاض، وتخيل مدينة تستطيع إدارة الحشود والمرور والكوارث بكفاءة غير مسبوقة. هذه ليست تقنية شريرة، بل قد تصبح واحدة من أعظم أدوات إنقاذ البشر.
المشكلة ليست فيما تستطيع التكنولوجيا فعله، بل فيمن يملك حق تشغيل قدراتها، وعلى من، وتحت أي قانون. فالأداة التي تبحث عن ناجٍ تحت الأنقاض يمكن، إذا أسيء استخدامها، أن تبحث عن مواطن خلف جدار. والمنظومة التي تراقب تنفس مريض لإنقاذ حياته يمكن أن تصبح، في بيئة مختلفة، وسيلة لجمع معلومات لم يوافق صاحبها على تقديمها.
لذلك يجب ألا ننتظر عام 2030. التشريع يجب أن يسبق البرج، ويجب أن يظهر مفهوم قانوني جديد: حق الإنسان في عدم الاستشعار داخل مساحته الخاصة دون موافقته أو سند قانوني صارم. فخصوصية المستقبل لن تكون حماية رسائلك وصورك فقط، قد تشمل حماية وجودك الفيزيائي نفسه من أن يتحول إلى بيانات.
لقد أمضينا سنوات نخشى أن تتجسس علينا هواتفنا، لكننا قد ندخل عصراً يصبح فيه السؤال أكثر إثارة للقلق: ماذا لو لم تعد الشبكة بحاجة إلى هاتفك كي تعرف أنك هناك؟ عندها لن تكون المعركة على سرعة 6G، بل على آخر حدود الإنسان، لأن أخطر شبكة في التاريخ لن تكون الشبكة التي تعرف ماذا نقول… بل الشبكة التي تعرف أننا موجودون حتى عندما نصمت.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



