إيرادات السعودية غير النفطية تقفز ثلاثة أمثالها في عقد.. وميزانية 2027 تعكس تنوعاً أوسع

إيرادات السعودية غير النفطية تقفز ثلاثة أمثالها في عقد.. وميزانية 2027 تعكس تنوعاً أوسع

شهدت الإيرادات غير النفطية في المملكة العربية السعودية قفزة هائلة خلال الفترة من 2015 إلى 2025، حيث ارتفعت من حوالي 166 مليار ريال إلى أكثر من 505 مليارات ريال، محققة بذلك زيادة تجاوزت ثلاثة أمثال مستواها خلال عقد كامل. هذا التحول الجذري يُعد أحد أهم المؤشرات في قراءة البيان التمهيدي لميزانية المملكة للعام 2027، الذي يقدر إجمالي الإيرادات بنحو 1.202 تريليون ريال، مقابل نفقات تبلغ 1.392 تريليون ريال، مع عجز متوقع يلامس 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي.

لا تقتصر أهمية هذه الأرقام على حجم العجز أو الإنفاق في سنة واحدة، بل تكمن في التغيير الهيكلي الذي طرأ على قاعدة الإيرادات العامة خلال العقد الماضي. فقد نمت الإيرادات غير النفطية بوتيرة أسرع بكثير من مستوياتها السابقة، بالتزامن مع استمرار الإنفاق على الأولويات التنموية والاستراتيجية للدولة.

من 166 ملياراً إلى 505 مليارات ريال.. قصة تحول

في عام 2015، بلغ إجمالي الإيرادات الحكومية نحو 613 مليار ريال، منها 446 مليار ريال إيرادات نفطية و166 ملياراً إيرادات غير نفطية، وفقاً للسلسلة التاريخية لوزارة المالية. وبحلول عام 2025، قفز إجمالي الإيرادات الفعلية إلى نحو 1.112 تريليون ريال، موزعة بين 606.5 مليارات ريال من الإيرادات النفطية و505.3 مليارات ريال من الإيرادات غير النفطية.

وبحساب الأرقام، ارتفعت الإيرادات غير النفطية بنسبة 205% خلال عشر سنوات، كما زادت حصتها من إجمالي الإيرادات من حوالي 27% في 2015 إلى ما يقرب من 45.5% في 2025. ويعني ذلك أن ما يقرب من نصف الإيرادات العامة في 2025 جاء من مصادر غير نفطية، مقارنة بأكثر قليلاً من ربع الإيرادات قبل عقد. هذا هو التحول الأبرز الذي تكشفه السلسلة الزمنية للميزانية السعودية.

ما يعنيه تضاعف الإيرادات غير النفطية أكثر من ثلاث مرات هو أن قاعدة المالية العامة أصبحت أوسع بكثير مما كانت عليه قبل عشر سنوات. ففي 2015، كانت الإيرادات النفطية تفوق الإيرادات غير النفطية بنحو 2.7 مرة، بينما في 2025 تقلص هذا الفارق بشكل واضح، حيث بلغت الإيرادات النفطية 606.5 مليارات ريال مقابل 505.3 مليارات ريال للإيرادات غير النفطية. هذا لا يعني زوال تأثير النفط على الميزانية، لكنه يؤكد أن حركة الإيرادات العامة أصبحت تستند إلى مصدر غير نفطي أكبر بكثير من السابق، وهو ما تصفه وزارة المالية بأنه عامل ساهم في تعزيز استقرار الإيرادات العامة واستدامتها.

مكونات الإيرادات غير النفطية وتوقعات المستقبل

لا تأتي الإيرادات غير النفطية من مصدر واحد. ففي عام 2025، بلغت الضرائب على السلع والخدمات نحو 294.3 مليار ريال، بينما بلغت الإيرادات الأخرى نحو 116.4 مليار ريال. وسجلت الضرائب الأخرى نحو 36.2 مليار ريال، وبلغت الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية نحو 34.1 مليار ريال، فيما وصلت ضرائب التجارة والمعاملات الدولية إلى نحو 24.3 مليار ريال. وبذلك تمثل الضرائب على السلع والخدمات نحو 58% من الإيرادات غير النفطية المسجلة في 2025، مع الإشارة إلى أن هذا البند لا يقتصر على ضريبة القيمة المضافة وحدها، بل يشمل جميع الضرائب المصنفة رسمياً ضمن السلع والخدمات.

بدأت السعودية تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% في يناير 2018، ثم رفعت النسبة الأساسية إلى 15% اعتباراً من يوليو 2020. ومن ثم، فإن نمو الإيرادات غير النفطية خلال العقد يرتبط بمجموعة أوسع من العوامل تشمل نمو النشاط الاقتصادي، وتطور المنظومة الضريبية والرسوم، وزيادة كفاءة التحصيل، واتساع القاعدة الاقتصادية.

لم ينشر البيان التمهيدي لميزانية 2027 توزيعاً تفصيلياً للإيرادات المتوقعة بين النفطية وغير النفطية، لكن التوقعات الاقتصادية المنطقية تشير إلى أن الإيرادات غير النفطية مرشحة للاحتفاظ بدور أكبر في قاعدة الإيرادات خلال السنوات المقبلة، إذا استمرت الأنشطة غير النفطية في النمو واستمرت الإصلاحات والتوسع في النشاط الخاص. يتفق هذا الاتجاه مع ما تؤكده وزارة المالية بشأن دور مبادرات التنويع الاقتصادي والإصلاحات في دعم الإيرادات على المدى المتوسط.

النفط ما زال مؤثراً.. لكن القاعدة أوسع

يظل النفط مكوناً رئيسياً في إيرادات الدولة، وتظهر السلسلة التاريخية حجم تأثيره بوضوح. فبعد تسجيل إجمالي إيرادات بنحو 613 مليار ريال في 2015، انخفضت الإيرادات إلى نحو 519 مليار ريال في 2016 مع تراجع الإيرادات النفطية إلى 334 مليار ريال. ثم ارتفعت الإيرادات خلال السنوات التالية لتصل إلى نحو 1.268 تريليون ريال في 2022، منها 857 مليار ريال إيرادات نفطية. وفي 2023 بلغت الإيرادات نحو 1.212 تريليون ريال، ثم نحو 1.259 تريليون ريال في 2024.

أما في 2025، فقد تراجعت الإيرادات النفطية إلى نحو 606.5 مليارات ريال، بانخفاض يقارب 20% مقارنة بنحو 756.6 مليار ريال في 2024. وفي المقابل، ارتفعت الإيرادات غير النفطية إلى 505.3 مليارات ريال، مقارنة بنحو 502.5 مليار ريال في 2024. وهنا تظهر إحدى أهم نتائج تنويع الإيرادات: تراجع النفط ظل مؤثراً في إجمالي الموارد، لكن الإيرادات غير النفطية حافظت على مستوى يتجاوز نصف تريليون ريال تقريباً.

ميزانية 2026 و2027: عجز أقل وإنفاق مستمر

كانت ميزانية 2026 قد قدرت الإيرادات عند نحو 1.147 تريليون ريال والنفقات عند نحو 1.313 تريليون ريال، مع عجز مقدر بنحو 165 مليار ريال. لكن التقديرات المحدثة الواردة ضمن بيانات البيان التمهيدي لميزانية 2027 رفعت الإيرادات المتوقعة لعام 2026 إلى نحو 1.190 تريليون ريال، فيما قدرت النفقات بنحو 1.435 تريليون ريال والعجز بنحو 245 مليار ريال.

وبالنسبة لعام 2027، تقدر الإيرادات بنحو 1.202 تريليون ريال والنفقات بنحو 1.392 تريليون ريال، بعجز يقارب 191 مليار ريال. وتعكس المقارنة بين 2026 و2027 ثلاثة اتجاهات واضحة: الإيرادات ترتفع بصورة محدودة من 1.190 إلى 1.202 تريليون ريال، والنفقات تتراجع من المستوى المتوقع البالغ 1.435 تريليون في 2026 إلى 1.392 تريليون ريال في 2027، أما العجز فينخفض من نحو 245 مليار ريال إلى قرابة 191 مليار ريال، أي بتراجع يقارب 22%.

تراجع العجز المتوقع لا يأتي نتيجة قفزة كبيرة في الإيرادات وحدها، وإنما من مزيج بين ارتفاع محدود في الإيرادات وانخفاض النفقات عن المستوى المتوقع لعام 2026. وتربط وزارة المالية استمرار العجز بسياسة مالية تعتمد التخطيط طويل المدى ومواصلة الإنفاق على المشاريع ذات الأولوية والعائد الاقتصادي والاجتماعي.

من أبرز أرقام البيان التمهيدي توقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 12.8% في 2027. ويأتي ذلك بعد تراجع متوقع بنسبة 3.6% في 2026، يرجع بصورة رئيسية إلى توقع انخفاض الأنشطة النفطية بنسبة 21.8%، بينما يتوقع أن تحقق الأنشطة غير النفطية نمواً إيجابياً بنسبة 3.2%. القفزة المتوقعة في 2027 تأتي بعد قاعدة مقارنة منخفضة في 2026، وترتبط بالتغير المتوقع في النشاط النفطي. وبحسب البيان، وصلت مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى تاريخي بلغ 57.3% خلال النصف الأول من 2026.

تقدر وزارة المالية نمو الناتج الحقيقي بنسبة 3.9% في 2028، ثم 5.7% في 2029، بعد النمو المرتفع المتوقع في 2027. وتشير هذه الأرقام إلى أن معدل 12.8% يمثل عاماً استثنائياً في المسار المتوقع، وليس المعدل الذي تفترضه التقديرات للسنوات التالية. كما أن توقع وزارة المالية لعام 2027 أعلى من تقدير صندوق النقد الدولي المشار إليه في المصادر المنشورة، والبالغ نحو 5.5% وفق تقديرات يوليو 2026.

لا تتجه التقديرات متوسطة المدى إلى تقليص الإنفاق بصورة مستمرة، فبعد تقدير النفقات بنحو 1.392 تريليون ريال في 2027، ترتفع إلى نحو 1.479 تريليون ريال في 2028، ثم إلى 1.544 تريليون ريال في 2029. وفي الوقت نفسه، ترتفع الإيرادات من 1.202 تريليون ريال في 2027 إلى 1.302 تريليون في 2028، ثم إلى 1.351 تريليون ريال في 2029. وتعكس هذه التقديرات استمرار الإنفاق على الأولويات التنموية والاستراتيجية والمشاريع ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، بحسب وزارة المالية.

وفق التقديرات الحالية، يبلغ العجز نحو 191 مليار ريال في 2027، ثم يتراجع إلى نحو 177 مليار ريال في 2028، قبل أن يرتفع إلى قرابة 192 مليار ريال في 2029. وبذلك تستمر الميزانية في تسجيل عجز على المدى المتوسط، بالتزامن مع نمو الإيرادات والنفقات. تشير وزارة المالية إلى مواصلة الاستفادة من أسواق الدين المحلية والدولية وأدوات التمويل المختلفة خلال 2027 والمدى المتوسط، بما في ذلك إصدار السندات والصكوك والقروض، إلى جانب التوسع في التمويل الحكومي البديل من خلال تمويل المشاريع والبنية التحتية ووكالات ائتمان الصادرات.

تكشف المقارنة بين 2015 و2025 حجم التحول بصورة مباشرة. ففي 2015، كانت الإيرادات غير النفطية 166 مليار ريال، والإيرادات النفطية 446 مليار ريال، وإجمالي الإيرادات 613 مليار ريال. وفي 2025، أصبحت الإيرادات غير النفطية 505.3 مليارات ريال، والإيرادات النفطية 606.5 مليارات ريال، وإجمالي الإيرادات 1.112 تريليون ريال. الإيرادات غير النفطية تضاعفت أكثر من ثلاث مرات، وأصبح الفارق بينها وبين الإيرادات النفطية أقل كثيراً مما كان عليه قبل عقد. هذه المقارنة ربما تكون أهم من قراءة العجز في سنة منفردة، لأنها توضح كيف تغيرت بنية مصادر الإيرادات العامة نفسها.

لا يقدم البيان التمهيدي توزيعاً سنوياً تفصيلياً للإيرادات النفطية وغير النفطية حتى 2029. لكن التوقعات الاقتصادية المنطقية تشير إلى أن استمرار نمو الاقتصاد غير النفطي يمكن أن يزيد من أهمية الإيرادات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي المحلي خلال السنوات المقبلة. كما يمكن أن يؤدي اتساع القطاع الخاص والاستثمار والاستهلاك إلى توسيع القاعدة التي تولد منها الضرائب والرسوم والإيرادات الأخرى، دون افتراض تغيير في معدلات الضرائب نفسها. وفي المقابل، ستظل حركة النفط مؤثرة في إجمالي الإيرادات وفي معدلات النمو، خصوصاً مع التغيرات الكبيرة التي يمكن أن تحدث في مستويات الإنتاج والأسعار.

تضع الأرقام ميزانية السعودية 2027 في سياق أوسع من سنة مالية واحدة، فالإيرادات غير النفطية التي كانت عند 166 مليار ريال قبل عشر سنوات تجاوزت نصف تريليون ريال في 2025، بينما تتوقع وزارة المالية ارتفاع إجمالي الإيرادات من 1.202 تريليون ريال في 2027 إلى 1.351 تريليون ريال في 2029. وفي الوقت نفسه، يستمر الإنفاق عند مستويات مرتفعة، من 1.392 تريليون ريال في 2027 إلى 1.544 تريليون ريال في 2029، مع استمرار العجز خلال الفترة. وتكشف هذه الصورة عن مسارين يعملان بالتوازي: تنويع قاعدة الإيرادات من جهة، ومواصلة الإنفاق على الأولويات التنموية والاستراتيجية من جهة أخرى. ومع الاقتراب من نهاية العقد، ستكون المؤشرات الأهم للمراقبة هي قدرة الإيرادات غير النفطية على مواصلة النمو، وحركة الإيرادات النفطية، وتطور حجم الاقتصاد، ومسار الدين وتكاليف التمويل. أما التحول الذي تحقق بالفعل خلال السنوات العشر الماضية، فتختصره مقارنة واحدة: الإيرادات غير النفطية انتقلت من 166 مليار ريال في 2015 إلى أكثر من 505 مليارات ريال في 2025، وأصبحت تمثل نحو 45.5% من إجمالي الإيرادات الفعلية.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *