السعودية تختتم مشاركتها في ناغويا 2026 بـ17 ميدالية.. إنجاز قياسي يثير تساؤلات حول الطموح الآسيوي

السعودية تختتم مشاركتها في ناغويا 2026 بـ17 ميدالية.. إنجاز قياسي يثير تساؤلات حول الطموح الآسيوي

أنهت المملكة العربية السعودية مشاركتها في دورة الألعاب الآسيوية «آيتشي – ناغويا 2026» برصيد بلغ سبع عشرة ميدالية، موزعة على أربع ذهبيات وثلاث فضيات وعشر برونزيات. تُعد هذه الحصيلة الأكبر في تاريخ المشاركات السعودية بالقارة من حيث عدد الميداليات، وهي نتيجة تستحق التقدير لكل من ساهم في تحقيقها. لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً مشروعاً حول موقع المملكة بين القوى الرياضية الآسيوية، والفجوة بين الإنجاز الحالي والطموحات المستقبلية.

الفروسية.. موعد مع الذهب المعتاد

حضرت رياضة الفروسية على النحو الذي اعتدنا عليه في المحافل الكبرى. فقد توج فرسان المنتخب السعودي بالميدالية الذهبية في مسابقة قفز الحواجز للفرق، ثم أضاف رمزي الدهامي ذهبية الفردي، بينما صعد عبدالرحمن الراجحي إلى منصة التتويج محرزاً الفضية، وأكمل خالد المبطي المشهد ببرونزية. لم يكن هذا الأداء مفاجئاً في رياضة ساهمت في صنع تاريخ آسيوي مشرف للسعودية، غير أنه يظل إنجازاً يستحق الإشادة؛ فالحفاظ على القدرة على الفوز جيلاً بعد جيل يُعد نجاحاً يُحسب للفرسان ولكل من أسهم في إعدادهم.

الجوجيتسو.. مفاجأة واعدة تستحق الدراسة

في لعبة الجوجيتسو، برز وجه آخر يبعث على التفاؤل. فقد تمكن الشقيقان عمر وعبدالله ندا من إحراز ذهبيتين، في حين أضاف زملاؤهما ثلاث برونزيات، في حصيلة لافتة لرياضة لم يُنشأ اتحادها السعودي إلا في عام 2017. التهنئة لهؤلاء الأبطال واجبة، لكن تجربتهم تستحق أكثر من مجرد الاحتفال: فهي تحتاج إلى تحليل لمعرفة كيف تمكنت رياضة حديثة التنظيم محلياً من الوصول إلى هذه القدرة التنافسية على المستوى الآسيوي، وكيف يمكن البناء على ما تحقق فيها.

دروس من التاريخ.. وتقييم المسافة

من الإنصاف أيضاً تقدير كل ميدالية جاءت من بقية الألعاب، وكل رياضي ورياضية بلغوا منصة المنافسة القارية بعد سنوات من العمل. المنصة تتوج لحظة الفوز لكنها لا تُظهر دائماً الجهد السابق. وحين تُطرح أسئلة التقييم، فإنها تُطرح حرصاً على توفير فرص أفضل للرياضيين للوصول إلى المنصات، لا انتقاصاً مما قدموه.

بدأت الحكاية السعودية في الألعاب الآسيوية من بانكوك في عام 1978، حيث انتهت المشاركة الأولى دون أي ميدالية. ثم تحقق أول ذهب في هيروشيما عام 1994، وبلغت المملكة المركز الحادي عشر في بوسان عام 2002 بسبع ذهبيات، وسجلت في الدوحة عام 2006 ثماني ذهبيات. وفي هانغتشو 2022 حصدت أربع ذهبيات وعشر ميداليات محتلة المركز التاسع عشر. أما ناغويا 2026 فقد منحت السعودية أكبر عدد من الميداليات في مشاركة واحدة مع أربع ذهبيات والمركز الثامن عشر.

هذه الأرقام لا تُقرأ من زاوية واحدة. فزيادة عدد الميداليات تقدم ينبغي الاعتراف به، والانتقال من المركز التاسع عشر إلى الثامن عشر خطوة إلى الأمام. لكن التاريخ يخبرنا أيضاً بأن السعودية سبق أن بلغت المركز الحادي عشر. وبين ما وصلت إليه يوماً وما هي عليه اليوم مساحة تستحق البحث، خصوصاً في ظل الدعم الكبير الذي شهدته الرياضة السعودية خلال السنوات الماضية، وتطور المنشآت والبرامج، واتساع الحضور والطموح.

هنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا يضيع بين التهنئة والعتب: ما الموقع الذي نستهدفه فعلياً في آسيا؟ هل نرى المركز الثامن عشر نتيجة توازي إمكاناتنا الحالية، أم أنه محطة على طريق العودة إلى المراكز التي بلغناها وتجاوزها؟ وإذا كنا نطمح إلى موقع أعلى، فما الألعاب التي نراهن عليها، وما المدة الواقعية لبلوغه، وما المؤشرات التي سنقيس بها التقدم من دورة إلى أخرى؟

لا نريد بعد كل مشاركة تقريراً يحصي الميداليات وأسماء الألعاب وأعداد المشاركين ثم يَعِد بنتائج أفضل في الدورة المقبلة. نريد أن نعرف ماذا كان مستهدفاً قبل انطلاق المنافسات، وما الذي تحقق منه، ولماذا نجحت بعض الألعاب في بلوغ المنصة بينما ابتعدت عنها ألعاب أخرى. نريد قراءة فنية تُظهر ما أثمرته برامج الإعداد، وما واجهها من عقبات، وما الذي تعلّمناه من النتائج القريبة من الميدالية بقدر ما تعلّمناه من الميداليات نفسها. فالإنجاز الذي لا تُفهم أسبابه يصعب تكراره، والتعثر الذي لا تُعرف أسبابه قد يتكرر.

صوت الاتحادات واللجنة الأولمبية.. ضرورة للفهم

ومن أجل قراءة عادلة، لا بد من الاستماع إلى الاتحادات الرياضية كما نستمع إلى اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية. لكل اتحاد أن يوضح أهدافه وبرنامج إعداده والفرص التي أُتيحت لرياضييه والعوائق التي واجهته. وللجنة أن تعرض الصورة الأشمل: كيف اختيرت الألعاب المستهدفة، وكيف وُزعت الموارد، وهل كانت خطط الاتحادات متكاملة مع الهدف العام للمشاركة؟ لا يصح أن نحدد موضع الخلل قبل أن تتضح هذه الإجابات، مثلما لا يصح أن نكتفي بوعود عامة لا تخبرنا كيف ستتحسن النتائج.

لقد أعطتنا ناغويا 2026 سبباً وجيهاً للفخر بفرساننا وأبطال الجوجيتسو وسائر المتوجين، وأعطتنا في الوقت نفسه فرصة لمراجعة طموحنا الآسيوي بجدية. الاحتفاء بالإنجاز والمطالبة بنتائج أكبر موقفان يجتمعان حين يكون الهدف أن تتقدم رياضة الوطن، وأن ينعكس ما تحظى به من دعم على اتساع قاعدة المنافسين وعلى موقع السعودية في جدول الترتيب.

لقد أثبت تاريخنا الآسيوي أننا نستطيع الفوز. والسؤال اليوم ليس إن كنا نطمح إلى الذهب؛ فهذا محسوم. السؤال: هل نملك الشجاعة لنعرف ما الذي حال دون وصول مزيد من رياضيينا إليه، ثم نصحح المسار قبل الدورة المقبلة؟

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *