الرئيسيةمنوعاتتساؤلات حول فهم إيمانويل كانط للعقل...
منوعات

تساؤلات حول فهم إيمانويل كانط للعقل البشري وحدوده

17/06/2026 07:00

على الرغم من التقدم العلمي المتسارع والاكتشافات المتلاحقة التي وصل إليها الإنسان، يبقى سؤال طبيعة العقل وإمكاناته دون إجابة نهائية. لا يزال العقل البشري وما يحيط به من أسرار غامضة يطرح أمام الإنسان معضلةً صعبةً، تجعل منه غير قادر على وضع حدود واضحة للمعرفة التي يمكن أن يحققها.

هذا الغموض أكسب العقل مكانةً بارزةً عبر العصور، فارتبط سؤال “العقل” ارتباطًا وثيقًا بالمعتقدات الدينية، وأصبح ما يحدده العقل هو ما يرسم مسار العقيدة. وفي بعض الثقافات، انزلقت حدود العقل إلى ما هو أبعد من قدرته الطبيعية، فتدخل في مجالات خرافية وفوق إمكاناته. لذا يختلف مفهوم العقل من حضارة إلى أخرى؛ فالعقل في التراث الصيني لا يتطابق مع ما هو عليه في التراث الهندي، وكذلك يختلف عن ما صاغه التراث العربي الإسلامي.

كانط وعلاقته بالأساطير الفلسفية

عند الحديث عن العقل، يتبادر إلى الذهن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ودراساته المتعمقة حول قدرات العقل وحدوده. رغم جدية وأسلوب كانط التحليلي، فإن تحليله لم يخرج من الإطار الأسطوري الذي ساد الفلاسفة اليونانيين، مثل أفلاطون، ولا من التيارات اللاحقة التي تبناها ديكارت.

في الفلسفة اليونانية الأوروبية ساد الاعتقاد بوجود واقعين متباينين جوهريًا: الواقع كما هو، والواقع كما يتشكل أمام حواسنا. يُفترض وجود عالم عقلي خفي لا تستطيع الحواس أن تدركه، ما خلق فجوة واضحة بين الفلسفة العقلانية والفلسفة التجريبية. وفق هذا المنظور، يُنظر إلى العالم العقلي كحقيقة أسمى من العالم الحسي.

الانقسام بين العقل والحس في الفلسفة الأوروبية

هذا الانقسام أسس لتقسيم الفلاسفة إلى فئتين: عقلانيين يضعون الثقة في العقل، وتجريبيين يضعون الثقة في الحواس. من بينهما، كان رينيه ديكارت يرفض الاعتماد على الحواس، معتبرًا إياها مخادعة، ويسعى إلى يقين لا يرتكز على التجربة الحسية، معتمدًا على أفكار فطرية مستقلة عن الحواس.

أما كانط، فكان موقعه وسطًا بين هذين التيارين. فقد رأى أن المعرفة لا تنبع من الحواس وحدها ولا من العقل بمفرده، بل من تفاعل المعطيات الحسية مع البنى العقلية الفطرية. ومن هنا ظهرت فكرته المركزية «الشيء في ذاته» التي سعت إلى تجاوز الموروث الديني، غير أنها ظلت متمسكة بفكرة وجود عالمين منفصلين: عقلاني وتجريبي.

مقارنة بين مفهوم «الشيء في ذاته» والرؤية الإسلامية للغيب

يُشبه «الشيء في ذاته» عند كانط مفهوم الغيب في الثقافة الإسلامية، إلا أن هناك فرقًا جوهريًا: الغيب في الإسلام قابل للمعرفة عبر الوحي والدليل، بينما «الشيء في ذاته» يبقى غير قابل للمعرفة النظرية مطلقًا. وهذا يطرح سؤالًا: إذا كان «الشيء في ذاته» لا يمكن معرفته، فكيف وصل كانط إلى معرفة بوجوده أصلاً؟

في السياق العربي الإسلامي، تناول الفقهاء—وخاصة أهل الحديث—مسائل الغيب والصفات بمنهجية مختلفة، تعتمد على الالتزام بالنصوص دون إدخال تفسيرات عقلية مجردة. فالإيمان يُعطى في هذه الثقافة دون الحاجة إلى بناء فلسفي، ولا يُقسم الواقع إلى عالمين منفصلين.

يستند الفقهاء إلى قول أبي حنيفة في مسألة الصفات: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة». أي أن صفة ما تُعرف من الناحية اللغوية، لكن طريقة تصرفها تبقى غامضة ولا يمكن للعقل إدراكها.

هل تفوق فكر كانط على التراث العربي الإسلامي؟

يُظهر هذا القول أن فكرة «الشيء في ذاته» ليست سوى نسخة محدثة من الأساطير اليونانية، وأن كانط لم يتحرر تمامًا من الفرضية القائلة بوجود عالمين: أحدهما مادي أدنى أو زائف، والآخر عقلي يمثل الحقيقة العليا. وفقًا لهذا الطرح، لا تُعطي الحواس الحقيقة كما هي، بل تُظهرها بصورة مُضللة، وهو ما يقترب من الموقف الغنوصي الذي يشكك في موثوقية الحواس.

وبالتالي، رغم أن كانط قدم مفهومًا جديدًا، إلا أنه ظل يعمل ضمن إطار تقليدي يقسم المعرفة إلى معارف عقلانية باطنية ومقابلاتها معارف حسية ظاهرية، ما يولد تمييزًا وجوديًا بين عالم أدنى وعالم أعلى، وإمكانية الخلاص عبر معرفة خفية أو سرية. وهذا يضع فكرته في دائرة مشابهة لتلك التي سادت الفلسفة القديمة، ويُظهر أن الفقه الإسلامي قد يقدم مقاربة أكثر نضجًا وتعقلاً في التعامل مع حدود العقل البشري.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *