الخطاب الملكي السنوي يربط الجذور التاريخية بمسؤولية الحاضر ويؤكد سيادة القرار الوطني

الخطاب الملكي السنوي يربط الجذور التاريخية بمسؤولية الحاضر ويؤكد سيادة القرار الوطني

في كلمة سنوية ألقاها نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، افتتح صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى. حملت الكلمة رسالة عميقة تربط بين الماضي والحاضر، وتجمع بين التنمية والحماية، وبين طموح المواطن وقوة دولته. فالأمن يحرس ما يبنيه الإنسان، وما يبنيه الإنسان يزيد الوطن قوة.

جذور تمتد لثلاثة قرون

استهلت الكلمة بالإشارة إلى أن المملكة ستكمل في يوم التأسيس القادم ثلاثمائة عام منذ نشأتها، دولة قامت في كل مراحلها على كتاب الله وسنة رسوله، متمسكة بالتوحيد والعدل في نهج «لن نحيد عنه». ويحدد اجتماع التوحيد بالعدل مرجعية الحكم ومسؤوليته: فالإيمان يهدي، والعدل يصون الحقوق، والعمران يزدهر حين يأمن الإنسان على ثمرة سعيه. وتأتي خدمة الحرمين الشريفين شرفًا متوارثًا تتجدد أمانته مع تعاقب الأجيال.

وتضع هذه القرون الثلاثة على الحاضر مسؤولية بحجمها: أن يصون الجذور ويضيف إلى أسباب البقاء. فالتاريخ الذي يستحق الفخر يستحق أن يُضاف إليه، والوفاء للمؤسسين يكون أيضًا بأن يجد الأبناء وطنًا أقدر على مواجهة عصرهم. هكذا يصبح الإرث تكليفًا، ويغدو التحديث استمرارًا لمسؤولية التأسيس بأدوات زمن جديد.

عشر سنوات من الرؤية وأرقام قياسية

من هنا تتصل ثلاثمائة عام بعشر سنوات من رؤية السعودية 2030، التي حققت مؤشرات أداء برامجها واستراتيجياتها 93% من مستهدفاتها. ونمت الصادرات غير النفطية 155% مقارنة بعام 2016، وبلغت مساهمة القطاع الخاص 51%. هذه الأرقام تقيس ما تحقق وتفتح سؤالًا أبعد: كم اتسعت قدرة المملكة على أن تختار طريقها بنفسها؟

فكل قدرة إنتاجية تتوطن تزيد القرار الوطني مناعة، وكل مصدر جديد للدخل يحرر جانبًا من المستقبل من الارتهان لتقلبات مصدر واحد. وحين تتصدر المملكة عالميًا مؤشرات الجاهزية الرقمية والأمن السيبراني، وتسمي عام 2026 عام «الذكاء الاصطناعي»، فإنها تدرك أن السيادة في هذا العصر تكتب أيضًا بالصفر والواحد. وبهذا المعنى تعمل التنمية في صميم الأمن الوطني، إذ تمنح الدولة أسباب الصمود قبل أن تأتي ساعة اختباره، وتوسع خياراتها حين تضيق الخيارات من حولها.

الإنسان محور النجاح

ثم تمنح الكلمة الأرقام وجوه أصحابها، حين تنسب النجاح بعد فضل الله إلى كفاءة المواطنين والمواطنات «الذين كانوا أصل كل نجاح». هذه العبارة تضع الإنسان في موضعه من المشروع: صاحب جهد ومعرفة ومبادرة، يحمل الوطن في عمله اليومي، ويحمل الوطن مسؤولية توسيع فرصه وصون كرامته وتمكين قدرته على المشاركة.

ولهذا يتصدر التعليم والصحة أولويات الاهتمام والميزانية، ففي قاعة الدرس تتكون القدرة التي سيحتاج إليها الوطن غدًا، وفي جودة الرعاية تصان حياة من سيصنع ذلك الغد. وحين تتسع فرص العمل تتحول المعرفة إلى أثر، وينفتح أمام المواطن طريق يرى فيه ثمرة اجتهاده. عندئذ تقرأ التنمية في حياة الناس كما تقرأ في المؤشرات.

التكيف مع المتغيرات ودور الطاقة

ولأن الطريق إلى المستقبل يمر بعالم متغير، قررت الكلمة أن التخطيط طويل المدى «لا يعني الثبات والسكون، بل القدرة على التكيف مع المتغيرات». هنا تظهر صلابة الرؤية: تعرف وجهتها، وتملك شجاعة تطوير وسائل الوصول إليها، فالمشروع الكبير يحتاج عقلًا يميز بين الثبات على الغاية وتجميد الطريق.

وفي الطاقة ظهر الأثر العالمي لهذه القدرة. وسط أزمة وصفتها الكلمة بأنها «مفتوحة الاحتمالات»، أدت المملكة دور «صمام لأمن الطاقة العالمي» باستمرار توفير الإمدادات رغم التصعيد. هكذا يصل أثر الاستقرار السعودي إلى أعمال وأرزاق في بلاد بعيدة، وتتجسد مسؤولية القوة في قدرتها على إبقاء أسباب الحياة جارية حين تهدد الفوضى بقطعها.

الأمن والدفاع والتحالفات الإقليمية

وهذه المسؤولية تحتاج ما يحميها، فما يبنى على امتداد سنوات يجب أن تحرسه قدرة تمنع المعتدي من اختصاره في لحظة خراب. لذلك حين تؤكد الكلمة أن البلاد تملك «قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة»، فإنها تخاطب الطالب والعامل والمستثمر أيضًا، فكل واحد منهم يحتاج أن يطمئن إلى أن ما يبدأه اليوم لن يكون غدًا تحت رحمة من يهدد وطنه.

ولأن ما يصيب الجار يبلغ الدار، جاء التأكيد أن الأمن الخليجي «كل لا يتجزأ»، وجاء حلف مكة الدفاعي بين المملكة وتركيا وباكستان، والتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات لحماية الممرات الدولية، ورفض استغلالها «أداة ضغط سياسي أو اقتصادي». فما يعبر البحر يصل إلى المصنع والبيت، وأمن الممر الذي تمر به السلع جزء من أمن الحياة التي تنتظرها.

ويجتمع ذلك مع بذل الجهد لخفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية «من دون أدنى تهاون» في حفظ الأمن. الدبلوماسية تفتح بابًا يجنب الشعوب الخسائر، والردع يحرسه من معتد يظن الحرص على السلام إذنًا بالعدوان.

المواقف تجاه القضايا العربية

وفي فلسطين واليمن والسودان، تتصل المواقف بحق الشعوب في دولة تحمي وجودها وقرارها: دولة فلسطينية مستقلة، وحكومة يمنية تبسط سلطتها، وسودان تصان وحدته ومؤسساته. فحيث تغيب المؤسسات تحكم البنادق، ويصبح الإنسان مضطرًا إلى طلب حقه ممن يملك القدرة على سلبه.

لهذا تأتي ثلاثية الختام محصلةً لبناء متكامل: «ليبقى الأمن مظلة لبلادنا، والاستقرار درعًا لها والازدهار نهجها». في عهد الملك سلمان، وبالمشروع الذي يقوده الأمير محمد بن سلمان، تتصل الجذور بأسباب القوة، ويجد الطموح ما يسنده، ويتقدم الإنسان إلى صدارة المشهد.

فمن يملك الغد؟ من يمنح أبناءه القدرة على صنعه ويمنع خصومه من مصادرته. السعودية التي ورثت تاريخها بجدارة تعمل كي يرث أبناؤها مستقبلهم بسيادة.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *