الرئيسيةمحلياتالنجاح السعودي: صدمة نفسية تكشف عن...
محليات

النجاح السعودي: صدمة نفسية تكشف عن حقدٍ جماعي

13/06/2026 11:00

د. محمد العرب، رئيس مركز العرب للرصد والتحليل، يوضح أن العداوة لا تنبع دائمًا من تضارب المصالح أو خلافات واقعية، بل أحيانًا تُستمد من نجاحٍ يُنظر إليه كجريمة في عيون البعض. ليست الجريمة ناتجة عن ظلم أو عدوان، إنما لأنها تُظهر فجأة الفارق بين من يشتغل على تحقيق الإنجاز ومن يكتفي بالمراقبة، وبين من يبني وبين من يعلق على ما يُبنى، وبين من يحوّل الأحلام إلى مشاريع وبين من يبرّر الإخفاقات بأعذار.

النجاح كمنبه عاطفي

في علم النفس، يُلاحظ أن الفشل لا يثير عادةً مشاعر معقّدة؛ فالأشخاص قد يتعاطفون مع المتعثر أو يتجاهلونه، لكن القليل منهم يولي الفشل اهتمامًا خاصًا. بالمقابل، يوقظ النجاح مشاعر مكبوتة ويضع مرآةً أمام الجميع، ما يجعل الانتقادات الموجهة إلى دولٍ ناجحة لا تُستند إلى تحليلات سياسية أو نقد موضوعي، بل تنبع من أزمة نفسية عميقة تتجسد في شعورٍ بالحرمان النسبي.

التنافر المعرفي وسلوك الدفاع العدواني

حين يصبح المقارنة مؤلمةً بصورة مفرطة، يبدأ العقل في البحث عن آليات دفاعية عدوانية. يظهر ما يُسمّى “التنافر المعرفي”: صراع داخلي بين ما يراه الإنسان بأعينه وما يرغب في تصديقه. فإذا كان يعتقد منذ سنوات أن دولةً ما لن تحقق نجاحًا، ثم شهد توسع مشاريعها ونمو اقتصادها وتقدم مدنها وتعزيز حضورها دوليًا، يواجه خيارين: إما أن يُعيد تقييم قناعاته، أو أن يهاجم النجاح ذاته. كثيرون يفضلون المسار الأسهل وهو الهجوم.

الصدمة النفسية خلف الانتقادات السعودية

بهذا المنطق يمكن تفسير ردود الفعل الانفعالية التي تصاحب إنجازات المملكة العربية السعودية. بالنسبة لبعض المنتقدين، لا يهم المشروع أو القرار بحد ذاته، بل الصدمة التي تحدث عندما تُهدم صورةٍ قديمة راسخة في أذهانهم منذ عقود. كانوا يتوقعون الجمود، فظهر النشاط؛ كانوا يترقبون الانحسار، فظهر التوسع؛ كانوا يراهنون على التعثر، فظهر الإنجاز المتتابع. هذه المفاجآت تولد الألم.

حسدٌ نفسيّ يُقوّى من الفلسفة إلى sociology

الفيلسوف نيتشه أشار إلى أن بعض أشكال الأخلاق والسلوك تنبع من “الحسد المقنع”؛ فالعاجز عن بلوغ القمة قد يحاول إقناع نفسه بأن القمة لا تستحق الإعجاب، فيُبدّل الاعتراف بتميّز الآخرين بخلق مبررات لتبرير رفضه. هذا النمط ينعكس في الخطابات المعادية للنجاح التي نادراً ما تُقرّ بالإنجاز، وإن اعترفت به قللت من قيمته، وإذا عجزت عن التقليل شككت في دوافع صانعيه، وإن فشلت في التشكيك هاجمت أصحاب الإنجاز. كلها آليات تهدف إلى منع الاعتراف بالواقع.

من جانب آخر، يطلق علماء الاجتماع مفهوم “الحسد الجماعي” عندما تشعر دولٌ بأكملها بألمٍ نفسيٍ عند رؤية دولة أخرى تحقق تقدمًا ملحوظًا. يصبح النجاح ليس مجرد خبر، بل مصدر إزعاج مستمر، كل إنجاز جديد يُذكرهم بما لم يتحقق في أراضيهم. لذا لا يُنظر إليه كنجاح، بل كتهديد لهويتهم وصورتهم الذهنية.

الخطر الأكبر يكمن في أن هذا الشعور يُحبس أصحابه في حلقة مغلقة؛ بدلاً من دراسة أسباب النجاح واستنباط الدروس، يفضّلون مهاجمة الإنجاز، وبدلاً من السعي لحلول، يضيعون الوقت في إلقاء اللوم على مؤامرات أو دعايات. يتحول الحسد من شعور عابر إلى عائق حضاري يعرقل التقدم.

في النهاية، لا تُبنى الدول بالتصفيق ولا تُهدم بالكراهية؛ ولا يَكافئ التاريخ الأمنيات أو يلتفت إلى الضغائن. ما يبقى هو العمل الجاد، والقدرة على تحويل الرؤية إلى واقع. الضجيج المصاحب لإنجازات الآخرين يذوب مع الوقت لأنه رد فعل لا فعل، وانفعال لا إنتاج.

ما يثير استياء خصوم النجاح ليس المشروع بحد ذاته، بل الرسالة التي يحملها: النجاح يبرهن أن التغيير ممكن، وأن الإرادة تصنع الفارق، وأن المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع. هذه الحقيقة تُصدم من اعتادوا تبرير الفشل بدلاً من سعيه لتجاوزه.

ختامًا، ليست المشكلة في نجاح دولة، إنما في عقول ترى في نجاح الآخرين دليلًا على فشلها. حين يصل المرء إلى هذه النقطة، يتحول الإنجاز إلى استفزاز، والحقيقة إلى عدو، وتصبح المعركة ليست مع الدولة أو المشروع، بل مع المرآة التي تكشف ما كان يظنه مخفيًا.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *