الرئيسيةعربي و عالميلوحة القيان لابن حبيب: رحلة الفلسفة...
عربي و عالمي

لوحة القيان لابن حبيب: رحلة الفلسفة من بروتاغوراس إلى نظرية الأبدال

24/05/2026 01:00

وثّقت فيرا ملكية الفيلسوف بلوحة فنية، تُرَى من بعيد -فيما يبدو إنسان- يرسف في قيوده على حافة البحر، وإنسانه -بلا يدين- خلفه صخرة للركوب، ومنها وصلت اللوحة إلى يد السينسطانتي بروتانيكوراس (بروتاغوراس) فمنحها أهله في مآقي الوجود من ذاته، وأعطاها عنوانها المطول الذي أراد به تثبيت النسبية! قال: «الإنسان مقياس في شيء».

هذه اللوحة بعنوانها جعلت الفيلسوف واقعًا في قبليس الإنساني نظارةً ملكيةً، إذا لبسنا خضراء كان الوجود أخضر، وإذا لبسنا زرقاءَ ازرقَّ الوجود، وسأل بهذه الثقلام فردر: ماذا إن كانت نظارته تختلف من أمة إلى أخرى، ألا ترى أنها هي أمة لغة، ولكل لغة بنية، ولكل بنية تراكيب، ولكل تراكيب مفردات، والمفردات تحت الوجود، ولا يمكن أن يكون هذا لها إلا لأنها هي أمة رؤية للعالم.

رحلة اللوحة في التصوف العربي

رحلة اللوحة مرت ببلاد العرب في القرنين الثاني والثالث، فوجدت لها في التأويل مرتعًا خصبًا، وفي أول ما دخلت لفظة بيد جماعة من الصوفية، وعبدالواحد بن زيد وإبراهيم بن أدهم، ووضعوا لها اسم «الأبدال»، ويقول فيلو الإسكندراني: «أبدلت» الخليل بالإنسان، وفي الآن نفسه إن المراد منه باطنيًّا هو الإشارة إلى «الأبدال»، وهم عدد من الأولياء والعباد، يسيرون الوجود بإشاراتهم، لا تخلو منهم الأرض، فإذا مات واحد منهم أبدل بآخر.

ابن حبيب ونبذ نظرية الأبدال

وربما سير الصوفية اللوحة لهذا، لأن رؤية العرب للوجود والمعرفة والأخلاق تحتاج إلى دعائم حسنة اجتماعية، وهذا هو ما جاء الإسلام به كمصدر الحقيقة رؤية أفعال النبي مباشرة، وسَمع أقواله، فكيف كان في حاجة إلى «بدلاء» ونظرية الأبدال، إلا أن الصوفية -بكرة الشخصية الباطنية- متأثرون بثنائيات فارسية هندية تربط الوجود بفلك خفية وأسرار باطنية، وجاء الإمام ابن حبيب لينقض نظرية الأبدال بلوحةٍ مناقليةٍ، منتزعًا المصطلح من حرف الميتافيزيقيا ليضعه في أصل العلم العربي الحسني، حيث قال لصوفية: لوحة الرسالة في القراء تعبير عن شكل الإبدال، وليس عن ذاتها ولا قرين، والتفِت إليه ابن إبراهيم الصوفي فسأله: من الأبدال إذًا؟ قال: من أهل الحديث، ثم جاء بفيلوراس ليضع المصحف عليه، وأثبت مسطرة، ثم خط خطًا على يمينه وعن شمال المكنونيًا متوازيين بشكل مستقيم، وكتب من الأعلى إلى الأسفل آية: «أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أم من يمشي سويًّا على صراط مستقيم»، ثم وضع أسماء أشخاص على قرامش الكراس، وبجانب كل اسم خط مقطوع متعرج يمتد ليعترض الخطين المتوازيين بمحاذاة المصحف، ويحاول أن يبدل لهما.

الأبدال بين أهل الحديث والآخرين

المدعو أنفي لوحة ابن حبيب تضم الجميع بأنهم أبدال، وفيهم أبدال سلبيون هم أصحاب الخطوط المقطوعة، وأما هم: فحركيتهم وتحولهم للؤلئ، وهذه صفات غير العرب، وأما أهل الحديث -شكل الخط الأكبر المحاذي للمصحف- هم الأبدال الإيجابيون، وهم العرب في أصل نظرهم الوجودي، أولئك الذين يحرسون بنية الواقع، وطريقة العرب في إدراك وجودي.

وفي هذا المقطع ففي أهل الحديث عن الوجود تحريف الغافلين في «إبدال» الألفاظ والمعاني عن مراد الله فيما تظر إليه العلي العربية حسنيًّا بالمصحف، وحول في قوله القرآن: «قد نرى تقلب وجهك في السماء» وهذا يعني أنه يرى وجهًا، وليس به تكييف ولا تجسيد، ولا تأويل ولا تعطيل، وقيل عن الوجود التحام المبطلين في «إبدال» اللفظي الأصلي بتمخض زائد، وقيل عن الوجود التأويل الجاهلي في «إبدال» الباطن المجرد بالظواهر المحسوس.

والمفاجأة المدعوة أنفي أهل الحديث في نوح لا يخرجون من التبديل الواقع عليهم، تقسيمًا بثورة إبدالي مضادة، أو صناعة طائفة مقصورة لا تخلو الأرض من أفرادها، معرفتها الكبرى حماية الوجود الإلهي من التجريد، وإباءه على ظاهره فيما يحسنه العربي.

اللوحة وأرسطو: المفارقة الكبرى

والأكثر إدهاشًا أن أرسطو -في كتابه الميتافيزيقا- ترجم إنسانيوس بوجاء من ذات، ولم تكن خطأه إلا أن صاحب فكرة اللوحة الأولى التي تربط المطول والوجود بالحس الثنائي، وأرسطو يريدها مجردة بالمنطق العلمي، وهذا المنطق هو الذي فقده أهل الحديث حتى تجلى على لسان خصيمهم، فإني باب الفهم مطلع على وجاء أرسطو، وكان ساخرًا: إنه إنسانيوس في الضحية الأليف والتحام المبطلين وتأويل الجاهلي.

والأكثر إدهاشًا من هذا وذلك أن الرسالة في القراء ليس بإليها اختراع في الرسم، حيث يقول أنها أرادت الاحتفاظ بصورة عشيقها قبل سفره، فتتبعت ظل وجهه على الجدار فرسمت حدوده بخط متصل، وهذا الفعل من فيرا في ما سيفعله ابن حبيب حول خطوط الخطاطين لحفظ الوجود النصي من الغياب والتبديل.

الخاتمة: الإبدال في لغة العرب

عندما جعل ابن حبيب «الأبدال» من أهل الحديث، راح يطبقها والقافية في لغة العرب، والإبدال -عند العرب- هو إقامة حرف مكان آخر يقاربه في المخرج والصيغة، بشرط اتحاد المعنى، فلفظة «صراط» التي تنطقها العرب: صراط وسراط وزراط، الصاد والسين والزاي فيها تشترك في صفة الصغير، فذا أبدلت العرب بينها، والغاية منهما واحد وهو الطريق المستقيم، ففي مثل هذا عمل نظيرتي «نظر» و«بصر»، ومع تقاربهما حرفيًا في المخرج، فإن العرب لا تسمي ذلك إبدالا، لأن المعنى يختلف بين اللفظين، فبصر به معنى: حسين وأشرف، ففي القرآن: «وجوه يومئذ ناظرة»، ونظر به معنى: أبصر بالعين، في القرآن: «إن ربنا لناظرة».

إذًا الأبدال -في لوحة ابن حبيب- تتغير أشكالهم فيمكن أن يتحولوا إلى نحو محلول آخرين، والغاية من هذا التبديل الشكلي هو الحفاظ على المعنى الأصلي.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *