العهد مع الذات: لماذا نخلفه وما السبيل للوفاء

العهد مع الذات: لماذا نخلفه وما السبيل للوفاء

عندما نعد صديقاً بلقاء ونخلفه، نشعر بثقل في الصدر ونبادر بالاعتذار قبل أن يسألنا. لكن إذا قطعنا على أنفسنا هذا العام عشرة وعود وأخلفنها جميعاً، لا نحس بأي شيء؛ لا اعتذار ولا ضيق ولا حتى انتباه. وهذا يبرز حقيقة أننا أكثر الناس إخلافاً للوعد مع أقرب إنسان إلينا، namely ourselves.

لماذا يكون الوعد مع النفس أسهل في الإخلال

السبب ليس ضعف الإرادة كما نعتقد، بل أن هذا “دين” فريد من نوعه: الدائن والمدين شخص واحد. لا أحد يطالب، لا أحد يسجل، ولا شاهد على الإخلاف. وعندما لا يطالب أحد بالدين يتصرف الإنسان كأنه غير موجود، فيسمي ذلك مرونة مع نفسه ويفتح حساباً لا يُغلق. لكن الدين موجود وفوائده تتراكم في مكان لا نراه؛ كل vow نخلفه لنفسي يعلّم العقل درساً صغيراً: كلامي لا يلزمني. يتكرر الدرس عاماً بعد عام حتى تأتي الليلة التي نقول فيها بصدق: «من اليوم سأنتظم» فلا يصدقنا أحد، وأولهم نحن. ليس لأن النية ضعفت، بل لأن رصيد الثقة قد نفد.

بناء الثقة من خلال الوفاء الصغير

نحن نمارس مع أنفسنا ما لا نقبله من غيرنا. لو أخبرنا موظف بأنه سيسلّم التقرير غداً ثم أخفق عشر مرات لحكمنا عليه بأنه غير موثوق. أما أنفسنا فنمنحها في كل مرة عذراً جديداً: التعب، الظروف، الانشغال. ولو سمعنا هذه الأعذار من غيرنا لعرفنا أنها أعذار، لكننا حين نقولها لأنفسنا نصدقها لأنها خرجت منا.

عالم النفس ألبرت باندورا سمى الثقة بقدرتك على الفعل “الكفاءة الذاتية”، ووجد أن أقوى ما يبنيها هو تجاربك السابقة مع نفسك. من وفى مرة بعد مرة صدّق نفسه، ومن أخلف مرة بعد مرة كذّبها. والوعد الذي نقطعه ثم نتركه إخفاق صغير يسجله عقلنا ولو لم يره أحد غيرنا. هذا يفسر لماذا يبدأ كثيرون كل سنة بحماس كبير وقرارات ضخمة ثم يتعبون أكثر كلما جددوا العزم؛ فهم يستدينون من حساب مفلس.

العلاج ليس وعوداً أكبر ولا حماساً أعلى، فالإنسان لا يخرج من الإفلاس بالاستدانة. يخرج منه بوعد صغير جداً يضمن الوفاء به: عشر دقائق مشي لا ساعة، صفحة لا كتاب، وكوب ماء قبل القهوة. ثم يفي به كما يفي لرجل يحترمه، فلا يؤجله ولا يساوم نفسه عليه. وفاء واحد صغير يعيد إلى العقل درساً معاكساً: “كلامي يلزمني”. ومع الأيام يرتفع الرصيد فتصير الوعود الكبيرة ممكنة.

اختبار الشهر: قياس ما قطعناه وما وفينا

وجرب هذا الاختبار الليلة: كم وعداً قطعته لنفسك هذا الشهر؟ وكم وفيت منها؟ لا تجلد نفسك بالجواب ولا تبرره. فقط اعرف الرقم؛ فمن لا يعرف حجم دينه لا يستطيع أن يبدأ سداده.

وأقسى ما في الإفلاس مع النفس أنك لا تكتشفه إلا حين تقرر أن تبدأ، فلا تجد في داخلك من يصدقك.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *