أزمة مستحقات الصيدليات في تونس تلقي بظلالها على حصول المرضى على الأدوية

تصاعدت حدة التوتر بين وزارة الشؤون الاجتماعية ونقابة أصحاب الصيدليات الخاصة في تونس على خلفية تأخر سداد المستحقات المالية المترتبة على الصندوق الوطني للتأمين على المرض، وسط تحذيرات مهنية من تداعيات ذلك على استمرارية العلاج وتوفر الدواء، فيما رصدت الصحافة المحلية أعباءً مالية إضافية تثقل كاهل المنتفعين بنظام التأمين الصحي.
جذور الخلاف وآلية «الطرف الدافع»
يربط وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر استئناف صرف مستحقات الصيدليات برفع قرار تعليق العمل بمنظومة «الطرف الدافع»، بينما تؤكد نقابة الصيادلة أن تراكم الديون على مدى سنوات أدى إلى اختناق السيولة المالية لدى مؤسساتها، ما اضطرها إلى تعليق التعامل بالمنظومة. وتتيح هذه الآلية لأكثر من ثلاثة ملايين مضمون اجتماعي وعائلاتهم الحصول على الأدوية مقابل سهمهم الشخصي، على أن يتولى الصندوق تسديد الجزء المغطى مباشرة للصيدليات.
اقرأ أيضاً: رئيس لجنة المالية المغربي: موازنة 2027 ترصد 6.2 مليارات دولار للإجراءات الاجتماعية وإعفاءات ضريبية واسعة
تسلسل الأحداث وتصعيد المواقف
بدأ تعليق العمل بالمنظومة في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، تنفيذاً لقرار أعلنته النقابة في الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، معللة ذلك بتأخر المستحقات وغياب حلول تكفل استمرارية الخدمة، وفق بيان نقلته وكالة الأنباء التونسية. وفي تطور لافت، نقل راديو «موزاييك» المحلي يوم الخميس عن الوزير الأحمر، خلال جلسة بلجنة الصحة في مجلسي نواب الشعب والجهات والأقاليم، أنه أمر بإيقاف صرف مستحقات الصيدليات الخاصة، مبيناً أن قراره صدر قبل ساعات من دفعة مالية كان مقرراً صرفها يوم الثلاثاء، أي بعد يومين من بدء التعليق.
من جهته، أعرب المجلس الوطني لهيئة الصيادلة في بيان مسائي عن استغرابه من التصريحات المنسوبة للوزير، معلقاً موقفه على التأكد من صحتها، ومعرباً عن أمله في نفيها والتراجع عنها. واعتبر المجلس أن هذه التصريحات، إن صحت، ستعقد الأزمة أكثر، داعياً إلى تغليب منطق الحوار والتوافق والإسراع في إيجاد حلول مستدامة تضمن سداد المستحقات وحماية استمرارية سلسلة الدواء. وأوضح أن التعليق يرتبط بأزمة متواصلة ناجمة عن تأخر السداد وتراكم المستحقات، وما نتج عنه من اختلالات مالية أثقلت كاهل الصيدليات وتهدد قدرتها على مواصلة نشاطها، مشدداً على ضرورة الإيفاء بالالتزامات المالية بالتوازي مع معالجة أسباب الأزمة.
اقرأ أيضاً: إضراب تدريجي للأطباء الشبان في تونس بسبب تأخر مستحقات مالية تجاوزت 9 أشهر
أعباء المرضى ومخاوف اتساع دائرة الأزمة
في متابعتها للأزمة، رأت جريدة «الشروق» التونسية في مقال نشرته في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر أن تعليق العمل بمنظومة «الطرف الدافع» يضع المضمونين الاجتماعيين أمام أعباء مالية إضافية، ويعيد ملف مستحقات الصيدليات إلى الواجهة. وحذر رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك (مستقلة) لطفي الرياحي، في تصريحات للأناضول، من أن المرضى المنتفعين بالمنظومة قد يعجزون عن الحصول على أدويتهم جراء الأزمة، واصفاً إياها بأنها «ظرفية»، ومتوقعاً توصل ممثلي الصيادلة والصندوق الوطني للتأمين على المرض إلى حل في أقرب الآجال، على غرار تسويات أزمات سابقة. وأقر الرياحي بحق الصيادلة في مستحقاتهم، مستدركاً بأن الصندوق يفتقر حالياً إلى الرصيد المالي اللازم، ومؤكداً أن تسوية سريعة ستخفف معاناة المرضى.
بدورها، أوضحت نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة في بيان إعلان التعليق أن الإجراء يهدف إلى حماية استمرارية خدمات الصيدليات وقدرتها على التزود بالأدوية، معربة عن أسفها لما قد ينجم عنه من اضطراب في الانتفاع بالخدمة الصحية. وأضافت أنها راسلت الصندوق لتنسيق إجراءات التعامل مع ملفات منظوريه وتيسير حصولهم على أدويتهم، على أن تعلن المعطيات الرسمية فور ورودها، وفق ما نقله موقع «الترا تونس». وعلى مستوى القطاع، حذر مجلس هيئة الصيادلة من أن تداعيات الأزمة قد تمتد إلى مؤسسات التوزيع بالجملة والصناعة الصيدلانية، بالنظر إلى الترابط بين حلقات توفير الدواء، معتبراً أن استمرار الاختلالات قد يضعف التوازنات المالية للمؤسسات ويهدد مواطن الشغل، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على توفر الأدوية وانتظام التزود بها واستمرارية العلاج، واصفاً الأزمة بأنها تتجاوز خلاف المستحقات لتمس الأمن الدوائي واستمرارية المنظومة الصحية وحق المواطن في العلاج.
اقرأ أيضاً: “الطائي السعودي” يعلن خطته الأساسية لدورة العمل خلال السنوات الأربع المقبلة
ديون متراكمة ووعود متعثرة
وتشير تصريحات سابقة لممثلي الصيادلة إلى أن الضغوط المالية سبقت التعليق الأخير بأشهر؛ ففي تموز/يوليو الماضي، كشفت نائبة رئيس النقابة الوطنية لأصحاب الصيدليات الخاصة ملكة المدير، للإذاعة الحكومية، أن الديون تجاوزت مائتي مليون دينار (نحو 66.6 مليون دولار)، موضحة أن الرقم تقديري، وأن المبلغ المحول لسداد جزء من المستحقات لم يتجاوز عشرة بالمئة من إجمالي الديون.
في بيانها الأخير، أكدت النقابة احترام مؤسسات الدولة والاتفاقيات، مشيرة إلى أن علاقتها بالصندوق يحكمها إطار قانوني وتعاقدي، من ضمنه القانون المتعلق بإحداث نظام للتأمين على المرض والاتفاقية القطاعية الموقعة في الرابع عشر من شباط/فبراير 2019 وملاحقها. وشددت على أن العلاقات التعاقدية تستمد قوتها واستمراريتها من القانون والاتفاقيات ومبدأ استمرارية الدولة ومؤسساتها، وأن احترام الالتزامات واجب مؤسسي. وأوضحت أن التواصل مع الصندوق والوزارة لم ينقطع منذ أيلول/سبتمبر، وأنها تلقت وعوداً شفوية بالسداد خلال أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر، كما راسلت الوزارات المعنية في التاسع عشر من تشرين الأول/أكتوبر. وبحسب النقابة، جرت الاجتماعات في أجواء من الاحترام المتبادل والتفهم، لكن تعثر التسوية دفع الصيادلة إلى تعليق المنظومة للحد من الأعباء المتراكمة. وثمنت النقابة تفهم المواطنين ومساندتهم، مؤكدة أن الصيادلة قدموا تضحيات على امتداد أكثر من عشر سنوات للحفاظ على المنظومة، وأن أزمة السيولة باتت تهدد قدرتهم على أداء دورهم في توفير الدواء، مجددة تمسكها بحق المواطن في الدواء، فيما دعا مجلس الهيئة إلى معالجة أسباب الأزمة بالتوازي مع تسوية المستحقات، بما يحمي استمرارية المؤسسات وحق المرضى في العلاج.
المزيد في قسم عربي و عالمي






