الولايات المتأرجحة تعيد رسم الخريطة: توبيخ انتخابي يطيح بأغلبية الجمهوريين في الكونغرس

عندما تتحول أعباء المعيشة اليومية وتكاليف الصراعات الخارجية إلى محرك حاسم داخل صناديق الاقتراع، تختل الحسابات التقليدية للأحزاب وتتهاوى معاقل كانت تعد آمنة، إذ تتحول خريطة النفوذ إلى محاكمة شعبية تعيد ترتيب موازين القوى في عاصمة القرار.
لم تحسم بنسلفانيا وميشيغان وجورجيا وحدها مجريات ليلة الثالث من نوفمبر، بل امتد الحسم إلى دوائر انتخابية غيّرت خياراتها داخل معاقل تقليدية، بعد أن عدّل الناخبون من الشباب واللاتينيين وسكان الضواحي وجهتهم تحت ضغط كلفة المعيشة وتداعيات الحرب مع إيران، فخسر الحزب الجمهوري أغلبيته في الكونغرس في اقتراع وصف بأنه توبيخ شامل للرئيس دونالد ترامب، وأكد الدور المحوري للولايات المتأرجحة.
الفواتير المعيشية تعيد ترتيب الولايات المتأرجحة
لم ينتظر المقترعون انتهاء عمليات فرز الأصوات ليدركوا عمق التحول السياسي الذي تشكل في مراكز الاقتراع؛ فالناخب الذي أدلى بصوته وهو يعاني من ارتفاع فواتير الطاقة وزيادة الإيجارات وغلاء المواد الغذائية اتجه إلى محاسبة الوعود الاقتصادية التي أُطلقت قبل عامين، فتحولت هذه الضغوط المالية إلى موجة تصويت عقابية أصابت مواقع نفوذ تاريخية للجمهوريين وتجاوزت حدود الولايات المتأرجحة.
وأكدت وكالة «رويترز» في قراءتها لمخرجات الاقتراع أن الديمقراطيين انتزعوا ما لا يقل عن 8 مقاعد نيابية من قبضة الجمهوريين في مجلس النواب، وسجلوا مكاسب لافتة في سباقات مجلس الشيوخ في كارولاينا الجنوبية وتكساس وأوهايو، مع مؤشرات متطابقة ترجح استعادتهم السيطرة على غرفتي الكونغرس، ووصفت الوكالة ما جرى بأنه توبيخ قاسٍ وجهه عشرات الملايين من المقترعين إلى الرئيس ترامب، وليس مجرد تراجع حزبي معتاد في منتصف الولاية.
وأظهرت تقديرات «سي إن إن» انكسارًا واسعًا للجمهوريين في مجلس الشيوخ بعد أن أسقط الديمقراطيون 6 مقاعد جمهورية دفعة واحدة في تكساس وأوهايو وكانساس وأيوا وكارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية، وخسر في تلك السباقات مرشحون اختارهم ترامب بنفسه، متجاوزين الحسابات الأولية التي كانت تشترط صافي ثلاثة مقاعد في مجلس النواب وأربعة مقاعد في مجلس الشيوخ، وهو تحول يعيد توزيع السلطة التشريعية في واشنطن ويمنح الديمقراطيين صلاحية التحقيق واستدعاء المسؤولين والإشراف على التعيينات القضائية والعليا.
انهيار الحصون الحمراء وخسائر غير متوقعة
انطلق مسار التراجع من ساحات التنافس المعتادة؛ إذ أسقط المقترعون في بنسلفانيا 3 نواب جمهوريين عن الدوائر السابعة والثامنة والعاشرة، وهي دوائر تضم مدنًا صغيرة وضواحي حيوية لبناء الأغلبية.
وفي جورجيا نجح الديمقراطي جون أوسوف في الحفاظ على مقعده بمجلس الشيوخ، متقدمًا على مرشح دعمه ترامب في الانتخابات التمهيدية على حساب خيار معتدل سانده حاكم الولاية الجمهوري، في وقت فاز فيه الديمقراطيون بمنصب حاكم جورجيا.
اقرأ أيضاً: وقت اعلان قرار محكمة العدل الدولية
وفي كارولاينا الشمالية انتزع الحاكم السابق روي كوبر مقعد الشيوخ من مرشح زكاه الرئيس، بعد حملة ركزت على أسعار الغذاء والطاقة، ليتجاوز أثر التحول الدائرة المعتادة للولايات المتأرجحة، وفق «سي إن إن».
وكشفت نتائج «نيويورك تايمز» عن تقدم المرشح الديمقراطي عبدالرحمن السيد في سباق شيوخ ميشيغان بفارق محدود مع استمرار الفرز، بالتزامن مع فوز حزبه بمنصب الحاكم في ويسكونسن، والاقتراب من كسر هيمنة الجمهوريين المستمرة منذ 3 عقود على قيادة تكساس، ما عكس تحولًا في سلوك المقاطعات على المستوى الوطني.
وتلقى الحزب الجمهوري خسائر غير متوقعة في معاقله الحصينة؛ فقد هزم الديمقراطي جيمس تالاريكو في تكساس مدعيًا عامًا مدعومًا من ترامب في سباق وصفته «سي إن إن» بأنه الأغلى كلفة في تاريخ انتخابات مجلس الشيوخ.
وانتزعت طبيبة ديمقراطية مقعد الشيوخ في كارولاينا الجنوبية الذي كان محسوبًا للجمهوريين منذ عام 1964، متفوقة على شقيقة سناتور راحل دفع بها ترامب إلى الترشح، واستعاد الديمقراطيون مقعدًا في أوهايو، وصعد مرشح ديمقراطي إلى مجلس الشيوخ وإلى حاكمية الولاية في أيوا في التوقيت نفسه.
وأظهر تحليل «نيويورك تايمز» لبيانات الاقتراع تحولًا في مقاطعات كارولاينا الجنوبية التي صوتت سابقًا لترامب نحو الديمقراطيين بمعدل بلغ 21 نقطة مئوية، في حين فاز الديمقراطيون بمقعد الشيوخ في كانساس لأول مرة منذ عام 1932، ما يدلل على تبدل واسع في الكتل التصويتية الراسخة وتمدد ديناميكية الولايات المتأرجحة.
استطلاعات الخروج: الغلاء والفساد في صدارة الدوافع
أظهر استطلاع الخروج الذي أجرته «إن بي سي نيوز» أن 43% من المقترعين توجهوا إلى الصناديق بدافع التصويت ضد شخص ترامب، متجاوزين أرقام انتخابات منتصف ولايته الأولى، في حين توقف الرضا عن أدائه الرئاسي عند حدود 38% مقابل نحو 45% سابقًا.
وارتفعت نسبة عدم الرضا إلى 62%، وشمل هذا الموقف أغلبيات واضحة بين ناخبي سباقات الشيوخ في جورجيا وأوهايو وميشيغان وتكساس، وسط شكاوى من ضغوط التضخم وتحمل الإدارة مسؤولية أعباء أسعار الوقود والخدمات والمواد التموينية، ما يؤكد أثر العوامل الاقتصادية في توجيه أصوات الولايات المتأرجحة.
اقرأ أيضاً: صناديق الاقتراع مفتوحة في الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي وسط صراع على الكونغرس
وتطابقت هذه البيانات مع نتائج استطلاعات «سي بي إس نيوز» التي سجلت استقرار الرضا العام عند 38%، وهو أدنى معدل لرئيس في انتخابات التجديد النصفي منذ عقدين، وأقل مما ناله جورج دبليو بوش في انتخابات عام 2006 حين خسر حزبه السيطرة على المجلسين.
وأشار الاستطلاع إلى أن 9 من كل 10 ناخبين صنفوا ملف الفساد الحكومي عاملًا أساسيًا يوازي ثقل كلفة المعيشة، واعتبر 6 من كل 10 مقترعين أن الرئيس يفضل مصالحه الخاصة على مصلحة البلاد.
ورصد استطلاع «سي إن إن» ارتباطًا وثيقًا بين المواجهة مع إيران وحسابات الإنفاق الأسري؛ إذ جعل 90% من الناخبين تكاليف المعيشة عنصرًا حاسمًا في قراراتهم، وأعرب أكثر من 80% عن قلقهم من تكاليف البنزين والغذاء والمرافق والصحة، ورأى نحو ثلثي المشاركين أن قرارات ترامب قادت الاقتصاد إلى التراجع، واعتبر قرابة 60% أن قرار الهجوم العسكري على إيران كان خاطئًا، بعد أن انعكست العمليات في صورة زيادات على فواتير الوقود الشهرية للمواطنين.
وبيّن تحليل «سي بي إس» في أوهايو فوز المرشح الديمقراطي بفضل أصوات المستقلين والشباب الرافضين لبناء مراكز البيانات في مناطقهم، في مقابل تأثر المرشح الجمهوري بصلته الوثيقة بترامب في ولاية صوتت له قبل عامين، وعلى الصعيد الوطني أظهر الاستطلاع أن نسبة من تدهورت أحوالهم المالية تفوق الضعف مقارنة بمن تحسنت أوضاعهم، مع استمرار المعاناة من التضخم للانتخابات الثانية على التوالي.
تحول الشباب واللاتين وارتدادات الهزيمة على البيت الأبيض
كشفت دراسة صوت الناخبين التي نفذتها «أسوشيتد برس» و«واشنطن بوست» وشملت نحو 80 ألف مقترع في الولايات الخمسين، عن تحولات ديموغرافية فارقة؛ فقد ابتعد الناخبون دون سن الثلاثين عن مرشحي الحزب الجمهوري لمجلس النواب وصوتوا بوعي مناهض للرئيس، في حين لم يمنح الناخبون اللاتينيون مرشحي الحزب الجمهوري سوى ثلث أصواتهم بعد أن صوت 40% منهم لمصلحة ترامب في عام 2024.
واتجه 60% من اللاتينيين إلى دعم الديمقراطيين، ورأى 7 من كل 10 منهم أن سياسات الإدارة أضرت بالاقتصاد، وطالب 6 من كل 10 ناخبين بفرض رقابة مشددة من الكونغرس على السلطة التنفيذية.
اقرأ أيضاً: قبل يوم من الاقتراع.. التصويت المبكر في انتخابات الكونغرس يتجاوز 57 مليون ناخب
وأفادت قراءة «سي إن إن» للخرائط الميدانية بتآكل الفوارق التصويتية في المناطق الريفية التي شكلت قاعدة تفوق ترامب سابقًا؛ إذ لم تعد هوامش الريف كافية لموازنة الخسائر في الضواحي والمدن الكبرى، وفي فلوريدا تبددت المكاسب في الدوائر ذات الغالبية اللاتينية التي أعاد الجمهوريون رسمها لضمان الفوز بها، فاحتفظ الديمقراطيون بتمثيلهم في تلك المقاعد.
وأكد تحليل «نيويورك تايمز» لمقاطعات الجنوب تفوق الديمقراطيين على أرقام مرشحهم الرئاسي لعام 2024 في مقاطعات ذات تاريخ جمهوري صلب، لافتة إلى ابتعاد شرائح واسعة من العمال البيض عن الحزب الجمهوري، ليتحول التبدل الحزبي إلى ظاهرة تتجاوز التوصيف الجغرافي المحدود لمفهوم الولايات المتأرجحة وتشمل قطاعات سكانية متعددة.
ودفعت هذه المحصلة قيادات الحزب الجمهوري إلى توجيه الانتقادات نحو خيارات البيت الأبيض؛ فقد لاحظت «سي إن إن» أن تدخلات ترامب المباشرة أثقلت فرص مرشحيه بعد خسارة أسماء فضلها على شخصيات حزبية أكثر رسوخًا في كارولاينا الشمالية وجورجيا وتكساس وكارولاينا الجنوبية، إلى جانب سقوط رهانات إعادة تقسيم الدوائر في فلوريدا.
وأشارت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إلى مفارقة دعوة ترامب قواعده إلى التصويت وكأن اسمه مدرج في بطاقة الاقتراع، ما جعل النتائج بمثابة رفض مباشر لإدارته.
ونقلت الهيئة عن خبير سياسي جمهوري في تكساس قوله إن ما جرى يمثل «رفض تام وكامل لترامب»، في حين حاول الرئيس التنصل من التبعات عبر منصات التواصل بالادعاء بأنه لم يكن مرشحًا في السباق وأنه كان سيحقق فوزًا كاسحًا لو وجد اسمه، ما يثير تساؤلات حول تعاطي الحزب مع نتائج هذا التصويت العقابي.
وبدأ البيت الأبيض في التكيف مع واقع فقدان الأغلبية؛ إذ أبدى ترامب في تصريحات لصحيفة «نيويورك تايمز» استعداده للتعامل مع النتائج وقوله «ربما نتوصل إلى شيء ما» بالتعاون مع الديمقراطيين، وسط إفادات من مسؤولين في الإدارة بوجود أجواء داخلية متحدية، غير أن وجود أغلبية معارضة في مجلسي النواب والشيوخ ولجان الرقابة سيجعل التنسيق ضرورة دستورية لإدارة الحكم.
وتثبت مخرجات ليلة الثالث من نوفمبر أن السقوط الحزبي لم يأتِ نتيجة تبدل طفيف في سلوك المقاطعات المعتادة، بل امتد عبر موجة استياء شملت معاقل حمراء وفئات ديموغرافية واسعة تقدمت فيها حسابات تكلفة المعيشة على الشعارات الحزبية، لتؤكد صناديق الاقتراع أن الإخفاق في إدارة الأعباء المالية اليومية للمواطنين يقود حتمًا إلى خسارة الرهان.
المزيد في قسم عربي و عالمي






