الحوثي وفكر الجماعة في إدارة الدولة

الحوثي وفكر الجماعة في إدارة الدولة

الفكر الجماعي وإدارة الدولة

ليس خطر الحوثي في اليمن مجرد كونه جماعة مسلحة تنافس على السلطة؛ فذلك لا يشرح كثير من سلوكه. المشكلة الأساسية تظهر عندما تحمل جماعة ذات فكر متطرف زمام مؤسسات الدولة ثم تحاول إدارة المجتمع بأكمله بعقلية الجماعة لا بعقلية الدولة التي يجب أن تسع جميع المواطنين. فالعقيدة القائمة على المواطنة والمؤسسات والمصلحة العامة تتعارض مع نظرة الجماعة المغلقة التي تقيس المجتمع بقربه منها أو بعده عنها. وعندما تتحول هذه النظرة إلى حكم، لا يبقى المخالف مجرد صاحب رأي مختلف بل يصبح خصماً يجب إسكاته أو القضاء عليه.

تأثيرات خارجية على ideology الحوثية

هذا ما تجسده تجربة الحوثيين داخل اليمن؛ حيث انتقل الصراع من الاستيلاء على مؤسسات الدولة إلى تقييد المخالفين ومحاولة فرض رؤية الجماعة على مجتمع متعدد الأفكار والمكونات. وبذلك يتضح خطر تحول أفكار جماعة محدودة إلى أساس لإدارة دولة كاملة. كما أن الفكر الحوثي لم يتشكل بمعزل عن مؤثرات خارجية؛ فالجماعة ارتبطت لسنوات بقوى إقليمية تأثرت بعقائدها وأساليبها. المشكلة لا تقتصر على الدعم العسكري أو السياسي، بل تمتد إلى طريقة رؤية الجماعة لنفسها ودورها والصراعات التي ترى أنها يجب أن تخوضها.

الاعتداء على المقدسات وخطر تجاوز الحدود

وبذلك يبرز سؤال جوهري: ما الذي يبقى من قرار الدولة المستقل عندما يصبح جزء منها مرتبطاً بمشروع يتجاوز حدودها؟ الدولة التي تقرر الحرب أو السلام يفترض أن تضع أولاً مصلحة شعبها وأمنه ومستقبله. أما الجماعة التي ترى نفسها جزءاً من محور أوسع فقد تدخل في صراعات تتجاوز حدود وطنها، بينما يتحمل المواطن نتائج تلك الصراعات. وقد تجلى هذا الفكر في اعتداءات الحوثيين خارج اليمن؛ حيث لم تعد مواجهاتهم تقتصر على الداخل اليمني. ولعل إطلاق طائرة مسيرة باتجاه مكة المكرمة الأسبوع الماضي يُظهر ذلك بوضوح؛ فالمستهدف ليس هدفاً عسكرياً عادياً بل البلد الحرام وقبلة المسلمين، ما يكشف عن خطر الفكر عندما تدفع الخصومة أصحابه إلى تجاوز حدود كان ينبغي أن لا يقترب منها الصراع أصلاً. وهذا يطرح سؤالاً أعمق من مجرد نوع السلاح: كيف تنظر الجماعة إلى المقدسات عندما تدخل في حسابات الحرب؟ وهل يبقى في فكرها شيء خارج دائرة الصراع مهما اشتدت الخصومة؟ إن مكة المكرمة ليست موقعاً جغرافياً عادياً؛ حرمتها لا ينبغي أن تخضع لحسابات الصراع السياسي والعسكري. وحين يصل السلاح إلى هذه المساحة تصبح المشكلة فكرية بقدر ما هي أمنية.

الخلاصة

وبالتالي فإن أزمة الحوثي لا تكمن في السلاح وحده؛ فالسلاح مجرد أداة. الأهم هو الفكر الذي يحدد من هو العدو، وكيف يعامل المخالف، ومتى تبدأ الحرب، وأين تنتهي، ومن أين يأتي القرار. قد تستطيع الجماعة أن تسيطر على وزارات الدولة وتستخدم أسمائها وشعاراتها، لكنها في تفكيرها تظل جماعة لا دولة. ويظهر الاختبار الحقيقي عندما تتعارض مصلحة الجماعة مع مصلحة الوطن: أيهما يتقدم؟ لأن قيادة الدولة بفكر الجماعة لا توسع الجماعة حتى تصبح وطناً، بل تضيق بالوطن حتى يصبح على مقاس الجماعة.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *