خط أنابيب "شرق-غرب" السعودي.. 7 ملايين برميل يومياً ورقة قوة بديلة في مواجهة أزمات هرمز وباب المندب

لم يعد خط أنابيب “شرق-غرب” مجرد ممر لنقل النفط الخام، بل تحول إلى أداة استراتيجية تعيد تشكيل خيارات الرياض في أوقات الاضطراب. فمع تعطل حركة الملاحة فعلياً في مضيق هرمز خلال أواخر فبراير 2026، برز هذا الخط الممتد على مسافة تقارب 1200 كيلومتر، والذي يربط معالجة بقيق في الشرق بميناء ينبع على البحر الأحمر، باعتباره الشريان البري الوحيد القادر على إخراج الخام السعودي إلى ساحل خارج مياه الخليج. ووفق بيانات وزارة الطاقة الصادرة في 12 أبريل 2026، تبلغ طاقته الاستيعابية القصوى نحو سبعة ملايين برميل يومياً، وهو رقم لا يكشف وحده القصة بقدر ما تكشفها الآليات التي أدت إليه.
كيف وصلت الطاقة إلى سبعة ملايين برميل؟
يعود تاريخ إنشاء هذا الخط إلى عام 1981، في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، على وقع الحرب العراقية الإيرانية، ودخل الخدمة في العام التالي. ونفذته في البداية المؤسسة العامة للبترول والمعادن “بترومين”، قبل أن تنشئ شركة أرامكو خطاً موازياً لنقل سوائل الغاز الطبيعي إلى ينبع. وهذا الخط الموازي هو الذي شكل مفتاح الزيادة لاحقاً، إذ أعيد تحويله إلى نقل النفط الخام، لترتفع قدرة النظام من نحو خمسة ملايين برميل يومياً إلى نحو سبعة ملايين خلال عام 2026، مما يعني أن المكسب تحقق بإعادة توظيف بنية تحتية قائمة لا بمد أنبوب جديد.
إلى جانب إعادة التحويل، جاءت زيادة أخرى من مسار مختلف. أوضح وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن رفع القدرة التصديرية لا يعتمد على توسيع الخط أو إضافة خطوط جديدة، بل على استخدام تقنيات ومواد تعمل على خفض الضغوط الواقعة على الأنبوب، مما يسمح بتمرير كميات أكبر عبر البنية نفسها. هذا النوع من الحلول يحول الأنبوب من أصل ثابت إلى أداة قابلة للضبط، قابلة للتكرار مع تغير الظروف.
ما الفرق بين الطاقة القصوى والتدفق الفعلي؟
الفارق بين الطاقة والتدفق هو أول ما يجب استيعابه في هذه القصة، فالخلط بينهما ينتج تقديرات خاطئة في سوق النفط. الطاقة القصوى البالغة سبعة ملايين برميل يومياً تمثل سقفاً تصميمياً، أما التدفق المعلن الأخير فبلغ 5.8 مليون برميل يومياً صباح السادس من أكتوبر، وفق ما أعلن وزير الطاقة من المنامة. السبب المباشر لهذا الفارق يعود إلى أن الخط أوقف احترازياً في 11 سبتمبر بعد هجوم بطائرات مسيرة انطلقت من العراق، قبل أن تعود المملكة إلى استخدامه خلال خمسة أو ستة أيام من الاستهداف.
ويتضح الفارق أكثر عند النظر إلى ما كان يجري قبل الهجوم. إذ ظلت التدفقات الفعلية خلال الأشهر الماضية دون الطاقة القصوى بفارق واسع، وبلغت نحو مليوني برميل يومياً في أغسطس وفق شركة كبلر لتتبع السلع، وهو أدنى مستوى شهري منذ يناير، وذلك لأن هجمات الحوثيين جعلت مسار البحر الأحمر صعب الاستخدام. بمعنى أن الأنبوب كان يعمل في بعض الأشهر بأقل من ثلث طاقته، لا بسبب عجز فيه، بل بسبب عنق زجاجة يقع بعده لا قبله.
أين يكمن السقف الحقيقي؟
السقف الحقيقي ليس في الأنبوب، بل في الميناء الذي ينتهي عنده. فمن إجمالي السبعة ملايين برميل التي تصل ينبع، يذهب نحو مليوني برميل يومياً إلى تغذية مصافي الساحل الغربي، أي إن المتاح للتصدير نظرياً يقترب من خمسة ملايين برميل يومياً، غير أن قدرة التحميل نفسها تبقى أقل من ذلك. أظهرت بيانات كبلر ومجموعة بورصات لندن أن صادرات ينبع بلغت نحو 4.6 مليون برميل يومياً في أسبوع واحد من مارس، وهو مستوى يقترب من السقف، في وقت كان الميناء فيه السعودي الوحيد القادر على شحن الخام إلى مناطق أخرى.
هذا الترتيب يفرض نتيجة عملية مباشرة، فرفع ضخ الأنبوب إلى سبعة ملايين لا يضيف بالضرورة برميلاً واحداً إلى الشحنات المصدّرة ما لم تتسع أرصفة التحميل وتتوفر الناقلات وتنتظم دورات السفن. ولذلك فإن أي توسعة مقبلة للأنبوب ستُقاس أثراً لا بقدرته المعلنة، بل بما يصل منه إلى رصيف قادر على استقباله.
لماذا صار البحر هو الحلقة الأضعف؟
وصول الخام إلى ينبع يعني تجاوز مضيق هرمز، لكنه لا يعني الوصول إلى المشتري، إذ يبقى على الشحنة أن تعبر باب المندب جنوباً للوصول إلى آسيا، وهنا ظهرت الحلقة الأضعف. في 20 يوليو أعلن الحوثيون حظراً بحرياً على الملاحة السعودية، فاستدارت تسع سفن، بينها سبع ناقلات محمّلة بنحو ستة ملايين برميل كانت في طريقها جنوباً، وتحوّلت الشحنات شمالاً نحو قناة السويس.
ثمن هذا الالتفاف يُدفع وقتاً ومالاً معاً. فبحسب بيانات كبلر ومجموعة بورصات لندن، تستغرق رحلة الناقلة من ينبع إلى تايوان عبر باب المندب نحو 19 يوماً، في حين يمتد المسار البديل عبر قناة السويس والبحر المتوسط ومضيق جبل طارق ثم حول رأس الرجاء الصالح إلى 48 يوماً. وبإضافة رسوم عبور القناة البالغة نحو مليون دولار ترتفع الكلفة الإضافية للرحلة الواحدة إلى نحو 2.6 مليون دولار. المسافة وحدها كافية لتحويل ميزة جغرافية إلى عبء تشغيلي يومي.
من هنا تُقرأ عملية “فجر اليمن” بوصفها امتداداً لأمن الطاقة لا ملفاً يمنياً منفصلاً عنه. انطلقت العملية في 5 أكتوبر بمشاركة نحو مئة طائرة مقاتلة من التحالف الذي تقوده المملكة، بهدف تأمين الحماية الجوية لمضيق باب المندب. أعلن التحالف تدمير 324 هدفاً وصفها بعالية القيمة منذ انطلاقها، فيما أعلنت القوات الحكومية السيطرة على ذو باب ومطارها ومواقع مطلة على المضيق ثم مدينة المخا. وتوّج هذا المسار في 8 و9 أكتوبر بإعلان قوات العمالقة ودرع الوطن استعادة منطقة باب المندب بالكامل، بما فيها معسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل والسلاسل الجبلية المحيطة، وتحرير جزيرة ميون المحاذية للمضيق، مع استمرار الفرق الهندسية في نزع الألغام والعبوات الناسفة.
بهذا المعنى، أصبح تأمين المنفذ البحري لخط “شرق-غرب” جزءاً من العملية نفسها. عبّر عن ذلك وكيل وزارة الإعلام اليمنية فياض النعمان بقوله إن مليشيا الحوثي حاولت بإيعاز إيراني نقل الصراع من مضيق هرمز إلى باب المندب.
حين يضيق المسار الجنوبي، يتجه الخام شمالاً عبر خط أنابيب “سوميد” المصري الممتد 320 كيلومتراً من العين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، بطاقة تقارب 2.5 مليون برميل يومياً، حيث يُعاد تحميله إلى أوروبا. غير أن هذا المسار مكمّل لا بديل، لأن سعته أصغر بكثير من حجم الصادرات السعودية، ولأن قناة السويس نفسها لا تستقبل الناقلات العملاقة وهي محمّلة بالكامل، مما يفرض عمليات تفريغ جزئي تزيد زمن الرحلة وكلفتها.
إلى أين يتجه الطريق؟
الخطوة التالية لا تنتظر أنبوباً جديداً بالكامل، بل تبدأ بتهيئة خط غاز محلي للاستخدام المزدوج، بما يضيف ما يصل إلى 1.2 مليون برميل يومياً خلال سبعة إلى ثمانية أسابيع، مع إمكانية رفعه إلى ثلاثة ملايين برميل باستثمارات إضافية، على أن يعود الخط إلى خدمة الغاز قبل موسم الصيف. تستهدف المملكة، عبر هذه الأعمال وتحسين محطات الضخ في “شرق-غرب”، الوصول إلى قدرة تصديرية عبر شبكة الأنابيب تبلغ نحو عشرة ملايين برميل يومياً خلال عامين إلى ثلاثة.
ويرافق التوسعة خيار سياسي لافت، إذ كشف وزير الطاقة عن التوجه إلى تدويل ملكية وتشغيل وتمويل خطوط الأنابيب، بمشاركة كويتية، على قاعدة أن الخط لا يكون سعودياً أو كويتياً بل خطاً دولياً تمتلك فيه أطراف متعددة والشركات المشغّلة حصصاً، باعتبار أن توسيع المشاركة الدولية يعزز فرص حماية البنية التحتية.
وفي غضون ذلك، بلغ متوسط الصادرات السعودية 7.12 مليون برميل يومياً في سبتمبر، وهو أعلى مستوى شهري منذ اندلاع حرب إيران، مقابل 7.33 مليون في فبراير الذي سبقها. ويبقى أثر كل ذلك مرهوناً بحلقة لا تملكها الأنابيب، ففي الرابع عشر من أكتوبر قفز خام برنت فوق 107 دولارات للبرميل بعد تقارير عن استهداف سفينتين في مضيق هرمز، في تذكير بأن سعر البرميل لا يتحدد في الصحراء حيث يمتد الخط، بل في المياه التي تسبح فيها الناقلات بعد أن تفرغ حمولتها.






