ضربة ناخبي أميركا للذكاء الاصطناعي تفتح أبواب السعودية لاستقطاب الحوسبة العالمية

ضربة ناخبي أميركا للذكاء الاصطناعي تفتح أبواب السعودية لاستقطاب الحوسبة العالمية

في انتخابات التجديد النصفي التي جرت في الولايات المتحدة خلال العام الجاري، تحولت فواتير الكهرباء والمياه إلى عامل رئيسي في إثارة غضب الناخبين، مما أدى إلى إطاحة عدد من حكام الولايات والمشرعين الذين راهنوا على التوسع غير المسبوق في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. هذا التطور وضع شركات التكنولوجيا الكبرى أمام أزمة حادة تتعلق بتوافر الطاقة والتصاريح اللازمة داخل البلاد.

في الوقت نفسه، أتاح هذا المأزق نافذة استراتيجية واسعة للمملكة العربية السعودية لجذب الحوسبة العالمية، مستفيدة من وفرة الطاقة وشبكة كهربائية جاهزة إلى جانب تشريعات محفزة للاستثمار في الحوسبة السحابية، وذلك ضمن مستهدفات رؤية 2030.

غضب الفواتير يعيد تشكيل الخريطة السياسية

ففي الداخل الأمريكي، تحولت هذه المنشآت الرقمية الضخمة، التي تشغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتستهلك طاقة توازي استهلاك مدن بأكملها، من رمز للتفوق التقني إلى عبء معيشي يثقل كاهل الأسر في فواتيرها الشهرية. ونتيجة لذلك، اتسعت المعارضة الشعبية لتشمل ناخبين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، بعد أن اتهم السكان تلك المراكز برفع أسعار الكهرباء واستنزاف موارد المياه، بالإضافة إلى إغراق الأحياء السكنية بالضجيج والأضواء الساطعة ليلاً دون توفير وظائف كافية تبرر الإعفاءات الضريبية الممنوحة لها.

اقرأ أيضاً: صناديق الاقتراع مفتوحة في الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي وسط صراع على الكونغرس

وفي هذا السياق، قدم أيدن ياو، كبير استراتيجيي الاستثمار في معهد “أموندي” التابع لأكبر مدير أصول في أوروبا، تحليله للمشهد الانتخابي في تصريحات نقلتها وكالة “رويترز”، حيث قال: “في تقديرنا، تبدو أهمية هذه الانتخابات النصفية أقرب إلى استفتاء على الذكاء الاصطناعي منها إلى استفتاء على دونالد ترامب”. كما حذر من أنه “إذا خضع قطاع الذكاء الاصطناعي لقيود، فإن الاقتصاد الأمريكي والتضخم والسياسة النقدية ستدخل جميعها في دائرة غموض شديد”.

تكساس وجورجيا تسقطان في يد المعارضة

وعلى أرض الواقع، تجلت أبرز مفاجآت صناديق الاقتراع في ولاية تكساس، التي تشير تقديرات مؤسسة “جي إل جي ريسيرش” إلى أنها تستحوذ على نحو 25% من سعة مراكز البيانات الأمريكية التي من المقرر أن تدخل الخدمة بحلول عام 2030. في هذه الولاية المحورية، تمكنت المرشحة الديمقراطية جينا هينوهوسا من إطاحة الحاكم الجمهوري غريغ أبوت، منهية بذلك ثلاثة عقود من سيطرة الحزب الجمهوري على منصب الحاكم في ولاية كانت تسعى لتقديم نفسها عاصمة للتقنية والطاقة.

إزاء هذه الخسارة في معقل أعماله الجديد، علق الملياردير إيلون ماسك، الذي نقل شركاته إلى تكساس وتبرع بأكثر من 150 مليون دولار للحملة الجمهورية، بعد ظهور النتائج عبر منصات التواصل الاجتماعي قائلاً: “مراكز البيانات في الفضاء تبدو جذابة جداً الآن”. وجاء هذا التعليق بالتزامن مع امتداد الخسائر الجمهورية إلى منصب الحاكم في ولاية جورجيا بعد عقدين من السيطرة، رغم أن مدينة أتلانتا تعد أنشط سوق لبناء مراكز البيانات في البلاد.

اقرأ أيضاً: هاواي تختتم فتح مراكز الاقتراع في الولايات المتحدة الخمسين لانتخابات التجديد النصفي

بالتوازي مع سباقات حكام الولايات، كشفت شبكة “سي بي إس نيوز” أن الناخبين الأمريكيين صوتوا على أكثر من 40 إجراءً محلياً في أكثر من 12 ولاية، تصدرتها أوهايو بأكثر من 20 استفتاءً بلدياً لتقييد تراخيص البناء وتقسيم الأراضي المخصصة لمراكز البيانات. وانعكست هذه القيود فوراً على الأسواق المالية، حيث هبطت أسهم شركتي “سبيس إكس” و”تيسلا” بنحو 5%، إلى جانب تراجع أسهم مشغلي مراكز البيانات بنسبة وصلت إلى 3% قبل افتتاح السوق الأمريكية.

السعودية: الطاقة الجاهزة والشراكات العملاقة

في المقابل، يفسر هذا الاختناق الكهربائي والتنظيمي في الولايات المتحدة السبب وراء التحول المتسارع لكبرى شركات التقنية الأمريكية نحو الشراكة مع الرياض. فبينما تتعطل المشاريع في تكساس وجورجيا وأوهايو بسبب انتظار الربط بالشبكة وارتفاع تكلفته محلياً، صممت المملكة العربية السعودية نموذجاً استثمارياً يقوم على توفير أراضٍ صناعية مخصصة خارج المناطق السكنية المزدحمة، مع توفير طاقة موثوقة ومنخفضة التكلفة تجمع بين الغاز ومشاريع الطاقة الشمسية الواسعة.

تتجلى أبرز شواهد هذا التوجه في أن إيلون ماسك نفسه، قبل حديثه الساخر عن نقل الخوادم إلى الفضاء، كان قد حسم خياره الخارجي بالفعل على الأرض في المملكة. فقد أبرمت شركته للذكاء الاصطناعي “إكس إيه آي” شراكة مع شركة “هيومان” السعودية، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، لبناء مركز بيانات ضخم بقدرة 500 ميغاواط، وهو أول مشروع للشركة خارج الولايات المتحدة. وقال الرئيس التنفيذي لـ”هيومان” طارق أمين لشبكة “سي إن إن”: “انظروا إلى شبكة الطاقة المذهلة في هذا البلد، فهي تعفي شركة مثل هيومان من بناء محطات التحويل الفرعية وتوليد الكهرباء لإيصالها إلى مركز البيانات؛ وهذا يعني أنني وفرت 18 شهراً من الوقت”. وأضاف أن الشركة تخطط لبناء قدرات تصل إلى ستة غيغاواط بحلول عام 2034، بشراكات تشمل “إنفيديا” و”إيه إم دي” و”سيسكو” و”كوالكوم”.

اقرأ أيضاً: سياقات الحوكمة بالمملكة العربية السعودية تفتح النافذة على نموذج عالمي في كبح الفساد وتدعيم النزاهة: (رؤية السعودية 2030 نموذجاً)

قفزة السعات واستثمارات السحابة

وبفضل هذه الجاهزية، لم تبقَ الجاذبية السعودية مجرد وعود نظرية، إذ تضاعفت سعة مراكز البيانات في المملكة 7 مرات لترتفع من 68 ميغاواط في عام 2021 إلى 467 ميغاواط في الربع الأول من عام 2026، وفق بيانات رسمية نقلتها مجلة “فورتشن”. وجاءت هذه القفزة بعد أن تجاوزت استثمارات البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات في البلاد حاجز 56.2 مليار ريال سعودي، أي ما يعادل 14.98 مليار دولار.

وامتداداً لهذا الزخم الاستثماري، تتسارع وتيرة التنفيذ الفعلي خلال الربع الأخير من العام الجاري، إذ شهد مؤتمر “ليب 2026” في الرياض اتفاقيات واستثمارات قاربت 15 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. وشملت هذه الحزمة إتاحة منطقة “مايكروسوفت آزر” السحابية في المملكة خلال نوفمبر 2026، يعقبها إطلاق أول منطقة سحابية لشركة “أمازون ويب سيرفيسز” خلال ديسمبر 2026 ضمن استثمار يتجاوز 5.3 مليارات دولار.

ومع احتدام هذا التنافس الدولي على استقطاب الحوسبة، يزداد السباق العالمي حدة في الأسابيع المقبلة مع استعداد شركة “أنثروبيك” لطرح أسهمها للاكتتاب العام الأسبوع المقبل، عقب قفزة في إيراداتها الفصلية بنسبة 47% لتصل إلى 16.96 مليار دولار. ويأتي هذا الحراك بالتزامن مع تحذير كاتي كوك، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة “تي سي دبليو”، من أن شركات الذكاء الاصطناعي تواجه “أزمة علاقات عامة حقيقية”، وباتت بحاجة إلى “رخصة مجتمعية للعمل” حيث تتوافر الكهرباء دون إرهاق السكان.

المزيد في قسم عربي و عالمي

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *