تحذيرات دولية من انهيار منطقة الساحل الإفريقي ودعوات لتفعيل دور الجوار

تحذيرات دولية من انهيار منطقة الساحل الإفريقي ودعوات لتفعيل دور الجوار

تحذيرات أممية وإقليمية من تفاقم الأزمة

دقت تحذيرات دولية وإقليمية ناقوس الخطر مؤخراً إزاء تفاقم الأزمات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل الإفريقي، وسط دعوات متزايدة لتفعيل دور دول الجوار المغاربي والإفريقي لإنقاذ المنطقة، بدلاً من تركها ساحة للاستقطاب الدولي وتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.

وفي نهاية سبتمبر الماضي، حذر الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي، بصفته رئيساً دورياً للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، من ترك منطقة الساحل تواجه “مصيرها المأساوي”، مؤكداً أن زعزعة استقرارها “لن تسلم منها إفريقيا ولا المصالح الأخرى الموجودة فيها”.

ودعا فاي، خلال كلمته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، إلى “صحوة جماعية” لمكافحة الإرهاب باعتباره “آفة عابرة للحدود”، مشدداً على أن السلام “مسؤولية مشتركة”، خصوصاً “في ظل حالة النزاعات الدائمة التي تغذي سباق التسلح وتضعف آليات نزع السلاح”.

خبراء: أزمات الساحل نتيجة تراكمات تاريخية واستعمارية

ويرى الأكاديمي والخبير التونسي في الشؤون الدولية كمال بن يونس، رئيس “مؤسسة ابن رشد للدراسات الدولية”، أن تحذيرات الرئيس السنغالي تعكس خطورة الأوضاع في منطقة الساحل التي باتت من أبرز بؤر التوتر الأمني والسياسي في العالم.

وفي تصريحات للأناضول، أوضح بن يونس أن أزمات المنطقة “ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية تتحمل القوى الاستعمارية السابقة، وخاصة فرنسا، جانباً مهماً من المسؤولية عنها”.

وأضاف أن السياسات الفرنسية والغربية ساهمت طوال عقود في “تكريس التبعية الاقتصادية والأمنية، ودعم أنظمة سياسية هشة، وتغليب المصالح الاستراتيجية واستغلال الثروات على حساب التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية”.

واعتبر أن التدخلات العسكرية الأجنبية، رغم رفعها شعار مكافحة الإرهاب، لم تحقق الاستقرار، بل تزامنت مع اتساع رقعة الجماعات المسلحة وتفاقم الأزمات الإنسانية.

وتابع بن يونس: “مع ذلك، لا يمكن إعفاء النخب الحاكمة في دول المنطقة من مسؤوليتها عن إخفاقات الحكم والتنمية”، محذراً من تحويل منطقة الساحل إلى ساحة صراع جديدة بين فرنسا والغرب وروسيا.

وأكد أن “الحل لا يكمن في استبدال نفوذ أجنبي بآخر، لأن تغيير الشريك الأجنبي لا يعني بالضرورة التحرر من التبعية”، مشدداً على ضرورة الانتقال من سياسة إدارة الأزمات بواسطة القوى الأجنبية إلى “بناء منظومة أمن وتنمية إقليمية تقودها الدول الإفريقية نفسها، لتمكين شعوبها من تقرير مصيرها وبناء مؤسسات وطنية قوية”.

وأشار إلى أن إفريقيا تحتاج إلى “شراكات دولية متكافئة لا إلى وصاية جديدة”، معتبراً أن الأمن الحقيقي يبدأ بالتنمية والسيادة الوطنية والتكامل الاقتصادي وليس بالقواعد العسكرية الأجنبية.

الجزائر تسعى لتعزيز دورها الإقليمي

وبخصوص دور دول الجوار، أكد بن يونس أن الجزائر تعد من أكثر الدول المعنية باستقرار منطقة الساحل بحكم حدودها الجغرافية الطويلة ووزنها السياسي والعسكري وعلاقاتها التاريخية مع الشعوب الإفريقية.

وأوضح أن الدبلوماسية الجزائرية سعت إلى تغليب الحوار والمصالحة الوطنية والحلول السياسية، كما تجسد ذلك في “اتفاق الجزائر للسلام” في مالي عام 2015، رغم الصعوبات التي واجهت تطبيقه وصولاً إلى إنهاء العمل به من جانب السلطات المالية في يناير 2024.

ويقارن بن يونس بين المقاربة الجزائرية “التي ترفض التدخلات العسكرية الأجنبية وتجمع بين حماية الأمن القومي ومنع انتقال الإرهاب والجريمة المنظمة”، وبين المقاربات الفرنسية والغربية “التي ركزت على الحلول العسكرية والترتيبات الأمنية المرتبطة بمصالح القوى الكبرى”.

وأشار إلى أن الجزائر تواجه تحديات دبلوماسية وأمنية في ظل توتر علاقاتها مع بعض السلطات الانتقالية في المنطقة وتزايد التنافس الدولي، موضحاً أن نجاح دورها يتطلب “تعزيز الثقة مع دول الجوار، وتطوير التعاون الاقتصادي، والابتعاد عن منطق الاستقطاب الإقليمي والدولي”.

دعوات لبناء منظومة أمنية إفريقية ذاتية

من جانبه، قال الصحفي والمحلل الجزائري نصر الدين بن حديد إن الأوضاع في منطقة الساحل “معقدة للغاية، نتيجة عجز أغلب حكومات المنطقة عن توفير الأمن والاستقرار” بسبب “غلبة القبلية على الدولة” وغياب برامج تنموية توفر فرص عمل لملايين الشباب.

وأوضح بن حديد للأناضول أن تحركات الجزائر تهدف بالأساس إلى حماية حدودها البرية الطويلة جداً مع دول منطقة الساحل، مشيراً إلى أن أبرز ما يقلق الجزائر هو “احتمال التقاء الإرهاب بالجريمة المنظمة والحركات الانفصالية”.

واعتبر أن التناقض الحاد في المنطقة بين تفشي الفقر والعوز من جهة وتوفر ثروات طبيعية هائلة من جهة أخرى يضع النخب المحلية أمام رهان صعب لتجاوز حالة الوهن وبسط سيطرة الدولة.

ويرى بن يونس أن دول الجوار الإفريقي والمغاربي تمتلك إمكانيات مهمة للمساهمة في تسوية أزمات الساحل، “شرط توفر الإرادة السياسية وتجاوز الخلافات الثنائية والحسابات الضيقة”.

وأضاف أن الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا تستطيع، بالتعاون مع دول الساحل والاتحاد الإفريقي، المساهمة في بلورة مقاربة إقليمية جديدة تقوم على الحوار السياسي والمصالحة الوطنية والتعاون الأمني، إلى جانب مشاريع اقتصادية وتنموية مشتركة.

وتابع: “كما ينبغي إعطاء الأولوية لمعالجة الأسباب العميقة للتطرف والهجرة غير النظامية، وفي مقدمتها الفقر والبطالة والتهميش وغياب آفاق التنمية لدى الشباب”.

وتجدر الإشارة إلى أن منطقة الساحل الإفريقي هي نطاق جغرافي وحضاري واسع يمتد عبر القارة من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً، ويضم دول مالي والنيجر وتشاد وموريتانيا وبوركينا فاسو والسنغال وأجزاء من السودان ونيجيريا والكاميرون وغامبيا وغينيا. وفي عام 2023، أنشأت مالي وبوركينا فاسو والنيجر تكتلاً دفاعياً باسم “تحالف دول الساحل”، معلنة انسحابها من “إيكواس” التي تأسست عام 1975 وتضم حالياً دولاً مثل بنين والرأس الأخضر وكوت ديفوار وغامبيا وغانا وغينيا وغينيا بيساو وليبيريا ونيجيريا والسنغال وسيراليون وتوغو.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *